تفسير ابن القيم — ابن قيم الجوزية
أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَٱلْأَنْعَـٰمِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ﴿٤٤﴾
الحَواسُّ الخَمْسُ لَها أشْباحٌ وأرْواحٌ، وأرْواحُها حَظُّ القَلْبِ ونَصِيبُهُ مِنها.
فَمِنَ النّاسِ: مَن لَيْسَ لِقَلْبِهِ مِنها نَصِيبٌ إلّا كَنَصِيبِ الحَيَواناتِ البَهِيمِيَّةِ مِنها. فَهو بِمَنزِلَتِها. وبَيْنَهُ وبَيْنَها أوَّلُ دَرَجَةِ الإنْسانِيَّةِ. ولِهَذا شَبَّهَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أُولَئِكَ بِالأنْعامِ. بَلْ جَعَلَهم أضَلَّ. فَقالَ تَعالى ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ إنْ هم إلّا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤]
وَلِهَذا نَفى اللَّهُ عَنِ الكُفّارِ السَّمْعَ والبَصَرَ والعُقُولَ.
إمّا لِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِها. فَنُزِّلَتْ مَنزِلَةَ المَعْدُومِ.
وَإمّا لِأنَّ النَّفْيَ تَوَجَّهَ إلى أسْماعِ قُلُوبِهِمْ وأبْصارِها، وإدْراكِها.
وَلِهَذا يَظْهَرُ لَهم ذَلِكَ عِنْدَ انْكِشافِ حَقائِقِ الأُمُورِ. كَقَوْلِ أصْحابِ السَّعِيرِ ﴿لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠].
(لطيفة)
قال أبو جعفر الباقر: والله ما اقتصر على تشبيههم بالأنعام حتى جعلهم أضل سبيلا منها.
(فصل)
شَبَّهَ أكْثَرَ النّاسِ بِالأنْعامِ، والجامِعُ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ التَّساوِي في عَدَمِ قَبُولِ الهُدى والِانْقِيادِ لَهُ، وجَعَلَ الأكْثَرِينَ أضَلَّ سَبِيلًا مِن الأنْعامِ؛ لِأنَّ البَهِيمَةَ يَهْدِيها سائِقُها فَتَهْتَدِي وتَتْبَعُ الطَّرِيقَ، فَلا تَحِيدُ عَنْها يَمِينًا ولا شِمالًا، والأكْثَرُونَ يَدْعُوهم الرُّسُلُ ويُهْدُونَهم السَّبِيلَ فَلا يَسْتَجِيبُونَ ولا يَهْتَدُونَ ولا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ ما يَضُرُّهم وبَيْنَ ما يَنْفَعُهُمْ، والأنْعامُ تُفَرِّقُ بَيْنَ ما يَضُرُّها مِن النَّباتِ والطَّرِيقِ فَتَجْتَنِبُهُ وما يَنْفَعُها فَتُؤْثِرُهُ، واللَّهُ تَعالى لَمْ يَخْلُقْ لِلْأنْعامِ قُلُوبًا تَعْقِلُ بِها، ولا ألْسِنَةً تَنْطِقُ بِها، وأعْطى ذَلِكَ لِهَؤُلاءِ ثُمَّ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِما جَعَلَ لَهم مِن العُقُولِ والقُلُوبِ والألْسِنَةِ والأسْماعِ والأبْصارِ، فَهم أضَلُّ مِن البَهائِمِ، فَإنَّ مَن لا يَهْتَدِي إلى الرُّشْدِ وإلى الطَّرِيقِ مَعَ الدَّلِيلِ إلَيْهِ أضَلُّ وأسْوَأُ حالًا مِمَّنْ لا يَهْتَدِي حَيْثُ لا دَلِيلَ مَعَهُ.