تفسير ابن القيم — ابن قيم الجوزية
لَّا تَجْعَلُوا۟ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُم بَعْضًا ۚ قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٦٣﴾
فَأمر سُبْحانَهُ ألا يدعى رَسُوله بِما يَدْعُو النّاس بَعضهم بَعْضًا، بل يُقال يا رَسُول الله.
وَلا يُقال يا مُحَمَّد، وإنَّما كانَ يُسَمِّيه باسمه وقت الخطاب الكفّار.
وَأما المُسلمُونَ فَكانُوا يخاطبونه يا رَسُول الله، وإذا كانَ هَذا في خطابه فَهَكَذا في مغيبه لا يَنْبَغِي أن يَجْعَل ما يدعى بِهِ لَهُ من جنس ما يَدْعُو بِهِ بَعْضنا لبَعض، بل يدعى لَهُ بأشرف الدُّعاء وهو الصَّلاة عَلَيْهِ، ومَعْلُوم أن الرَّحْمَة يدعى بها لكل مُسلم بل ولغير الآدَمِيّ من الحَيَوانات كَما في دُعاء الاسْتِسْقاء اللَّهُمَّ ارْحَمْ عِبادك وبلادك وبهائمك.
وقال في المدارج:
وَمِنَ الأدَبِ مَعَهُ: أنْ لا يَجْعَلَ دُعاءَهُ كَدُعاءِ غَيْرِهِ.
قالَ تَعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا﴾
وَفِيهِ قَوْلانِ لِلْمُفَسِّرِينَ.
أحَدُهُما: أنَّكم لا تَدْعُونَهُ بِاسْمِهِ، كَما يَدْعُو بَعْضُكم بَعْضًا، بَلْ قُولُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، يا نَبِيَّ اللَّهِ، فَعَلى هَذا: المَصْدَرُ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، أيْ دُعاءَكُمُ الرَّسُولَ.
الثّانِي: أنَّ المَعْنى: لا تَجْعَلُوا دُعاءَهُ لَكم بِمَنزِلَةِ دُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا. إنْ شاءَ أجابَ، وإنْ شاءَ تَرَكَ، بَلْ إذا دَعاكم لَمْ يَكُنْ لَكم بُدٌّ مِن إجابَتِهِ، ولَمْ يَسَعْكُمُ التَّخَلُّفُ عَنْها ألْبَتَّةَ. فَعَلى هَذا: المَصْدَرُ مُضافٌ إلى الفاعِلِ. أيْ دُعاؤُهُ إيّاكم.