×
الحجالآية ٥

تفسير ابن القيم — ابن قيم الجوزية

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِى ٱلْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوٓا۟ أَشُدَّكُمْ ۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنۢ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْـًٔا ۚ وَتَرَى ٱلْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنۢبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍۭ بَهِيجٍ ﴿٥﴾

يَقُولُ سُبْحانَهُ: إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِن البَعْثِ فَلَسْتُمْ تَرْتابُونَ في أنَّكم مَخْلُوقُونَ، ولَسْتُمْ تَرْتابُونَ في مَبْدَأِ خَلْقِكم مِن حالٍ إلى حالٍ إلى حِينِ المَوْتِ، والبَعْثُ الَّذِي وعُدْتُمْ بِهِ نَظِيرُ النَّشْأةِ الأُولى فَهُما نَظِيرانِ في الإمْكانِ والوُقُوعِ، فَإعادَتُكم بَعْدَ المَوْتِ خَلْقًا جَدِيدًا كالنَّشْأةِ الأُولى الَّتِي لا تَرْتابُونَ فِيها، فَكَيْفَ تُنْكِرُونَ إحْدى النَّشْأتَيْنِ مَعَ مُشاهَدَتِكم لِنَظِيرِها؟ وَقَدْ أعادَ سُبْحانَهُ هَذا المَعْنى وأبْداهُ في كِتابِهِ بِأوْجَزِ العِباراتِ، وأدَلِّها، وأفْصَحِها، وأقْطَعِها لِلْعُذْرِ، وألْزَمِها لِلْحُجَّةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ - أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ - نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [الواقعة: ٥٨-٦٠] ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١] ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢] فَدَلَّهم بِالنَّشْأةِ الأُولى عَلى الثّانِيَةِ، وأنَّهم لَوْ تَذَّكَّرُوا لَعَلِمُوا أنْ لا فَرْقَ بَيْنَهُما في تَعَلُّقِ القُدْرَةِ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما، وقَدْ جَمَعَ سُبْحانَهُ بَيْنَ النَّشْأتَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿وَأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى (٤٥) مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى (٤٦) وأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى (٤٧)﴾ وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى (٣٧) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠]. وَقَوْله تَعالى: ﴿وَتَرى الأرْضَ هامِدَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ وأنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّهُ يُحْيِ المَوْتى وأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ (٧)﴾ وقَوْله تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ إنَّ الَّذِي أحْياها لَمُحْيِي المَوْتى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩] جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ إحْياءَ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها نَظِيرَ إحْياءِ الأمْواتِ، وإخْراجَ النَّباتِ مِنها نَظِيرَ إخْراجِهِمْ مِن القُبُورِ، ودَلَّ بِالنَّظِيرِ عَلى نَظِيرِهِ، وجَعَلَ ذَلِكَ آيَةً ودَلِيلًا عَلى خَمْسَةِ مَطالِبَ: أحَدُها: وُجُودُ الصّانِعِ، وأنَّهُ الحَقُّ المُبِينُ، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ إثْباتَ صِفاتِ كَمالِهِ وقُدْرَتِهِ وإرادَتِهِ وحَياتِهِ وعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ ورَحْمَتِهِ وأفْعالِهِ. الثّانِي: أنَّهُ يُحْيِي المَوْتى. الثّالِثُ: عُمُومُ قُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ. الرّابِعُ: إتْيانُ السّاعَةِ وأنَّها لا رَيْبَ فِيها. الخامِسُ: أنَّهُ يُخْرِجُ المَوْتى مِن القُبُورِ كَما أخْرَجَ النَّباتَ مِن الأرْضِ. وَقَدْ كَرَّرَ سُبْحانَهُ ذِكْرَ هَذا الدَّلِيلِ في كِتابِهِ مِرارًا؛ لِصِحَّةِ مُقَدَّماتِهِ، ووُضُوحِ دَلالَتِهِ، وقُرْبِ تَناوُلِهِ، وبُعْدِهِ مِن كُلِّ مُعارِضَةٍ وشُبْهَةٍ، وجَعْلِهِ تَبْصِرَةً وذِكْرى كَما قالَ تَعالى: ﴿والأرْضَ مَدَدْناها وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾.