تفسير ابن القيم — ابن قيم الجوزية
وَلَقَدْ ءَاتَيْنَآ إِبْرَٰهِيمَ رُشْدَهُۥ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِۦ عَـٰلِمِينَ ﴿٥١﴾
قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾
وأصح الأقوال في الآية أن المعنى من قبل نزول التوراة فإنه سبحانه قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ وقال: ﴿وَهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ثم قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ﴾ ذلك، ولهذا قطعت (قبلُ) عن الإضافة وبنيت لأن المضاف منوي معلوم وإن كان غير مذكور في اللفظ.
وذكر سبحانه هؤلاء الثلاثة وهم أئمة الرسل وأكرم الخلق عليه محمد وإبراهيم وموسى.
وقد قيل (من قبل) أي في حال صغره قبل البلوغ وليس في اللفظ ما يدل على هذا السياق إنما يقتضي من قبل ما ذكر.
وقيل المعنى بقوله من قبل أي في سابق علمنا.
وليس في الآية أيضا ما يدل على ذلك ولا هو أمر مختص بإبراهيم بل كل مؤمن فقد قدر الله هداه في سابق علمه.
والمقصود قوله: ﴿وَكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾
قال البغوي: "أنه أهل للهداية والنبوة"
وقال أبو الفرج: "أي عالمين بأنه موضع لإيتاء الرشد"
وقال صاحب الكشاف: "المعنى علمه به أنه علم منه أحوالا بديعة وأسرارا عجيبة وصفات قد رضيها وحمدها حتى أهله لمخالته ومخالصته، وهذا كقولك في حر من الناس: أنا عالم بفلان.
فكلامك هذا من الاحتواء على محاسن الأوصاف"
وهذا كقوله: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ﴾ ونظيره قوله: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
وقريب منه قوله: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأمْرِهِ إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ﴾ حيث وضعنا هذا التخصيص في المحل الذي يليق به من الأماكن والأناسي.
(فائِدَة)
الإنابَة هي عكوف القلب على الله عز وجل كاعتكاف البدن في المَسْجِد
لا يُفارِقهُ وحَقِيقَة ذَلِك عكوف القلب على محبّته وذكره بالإجلال والتعظيم وعكوف الجَوارِح على طاعَته بالإخلاص لَهُ والمتابعة لرَسُوله ومن لم يعكف قلبه على الله وحده عكف على التماثيل المتنوعة كَما قالَ إمام الخنفاء لِقَوْمِهِ ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾
فاقتسم هو وقَومه حَقِيقَة العكوف فَكانَ حَظّ قومه العكوف على التماثيل وكانَ حَظه العكوف على الرب الجَلِيل والتماثيل جمع تِمْثال وهو الصُّور الممثلة فَتعلق القلب بِغَيْر الله واشتغاله بِهِ والركون إلَيْهِ عكوف مِنهُ على التماثيل الَّتِي قامَت بِقَلْبِه وهو نَظِير العكوف على تماثيل الأصْنام ولِهَذا كانَ شرك عباد الأصْنام بالعكوف بقلوبهم وهممهم وإرادتهم على تماثيلهم فَإذا كانَ في القلب تماثيل قد ملكته واستعبدته بِحَيْثُ يكون عاكفا عَلَيْها فَهو نَظِير عكوف الأصْنام عَلَيْها ولِهَذا سمّاه النَّبِي عبدا لَها ودعا عَلَيْهِ بالتعس والنكس فَقالَ تعس عبد الدِّينار تعس عبد الدِّرْهَم تعس وانتكس وإذا شيك فَلا انتقش