تفسير ابن القيم — ابن قيم الجوزية
يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِىَ لَا عِوَجَ لَهُۥ ۖ وَخَشَعَتِ ٱلْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا ﴿١٠٨﴾
قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ﴾
أي يقبلون من كل أوب إلى صوته وناحيته لا يعرجون عنه.
قال الفراء وهذا كما تقول: دعوتك دعوة لا عوج لك عنها.
وقال الزجاج: المعنى لا عوج لهم عن دعائه أي لا يقدرون إلا على اتباعه وقصده.
فإن قلت إذا كان المعنى لا عوج لهم عن دعوتي فكيف قال لا عوج له؟
قيل قالت طائفة اللام بمعنى عن أي لا عوج عنه.
وقالت طائفة المعنى لا عوج لهم عن دعائي، كما قال الزجاج.
وفي القولين تكلف ظاهر، ولما كانت الدعوى تسمع الجميع لا تعوج عنهم، وكلهم يؤم صوت الداعي ويتبعه لا يعوج عنه كان مجيء اللام منتظمًا للمعنيين ودالًا عليهما.
والمعنى لا عوج لدعائه لا في إسماعهم إياه ولا في إجابتهم له.
قوله تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾
أيْ سَكَنَتْ، وذَلَّتْ، وخَضَعَتْ، ومِنهُ وصْفُ الأرْضِ بِالخُشُوعِ، وهو يُبْسُها، وانْخِفاضُها، وعَدَمُ ارْتِفاعِها بِالرَّيِّ والنَّباتِ، قالَ تَعالى ﴿وَمِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾ [فصلت: ٣٩].
والخُشُوعُ: قِيامُ القَلْبِ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ بِالخُضُوعِ والذُّلِّ، والجَمْعِيَّةِ عَلَيْهِ
وَقِيلَ: الخُشُوعُ الِانْقِيادُ لِلْحَقِّ، وهَذا مِن مُوجِباتِ الخُشُوعِ.
فَمِن عَلاماتِهِ أنَّ العَبْدَ إذا خُولِفَ ورُدَّ عَلَيْهِ بِالحَقِّ اسْتَقْبَلَ ذَلِكَ بِالقَبُولِ والِانْقِيادِ.