تفسير ابن القيم — ابن قيم الجوزية
فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا ﴿١٠٦﴾
(موعظة)
وَإذا تَأمَّلت البِقاع وجدتها ... تشقى كَما تشقى الرِّجال وتسعد فدع عَنْك الجَبَل الفُلانِيّ وجبل بني فلان وجبل كَذا
؎خُذ ما تراهُ ودع شَيْئا سَمِعت بِهِ ∗∗∗ في طلعة الشَّمْس ما يُغْنِيك عَن زحل
هَذا وإنها لتعلم أن لَها موعدا، ويوما تنسف فِيها نسفا وتصير كالعهن من هوله وعظمه، فَهي مشفقة من هول ذَلِك الموعد منتظرة لَهُ، وكانَت أم الدَّرْداء رضى الله عَنْها إذا سافَرت فَصَعدت على جبل تَقول لمن مَعها أسمعت الجبال ما وعدها رَبها؟
فَيُقال ما أسمعها؟
فَتَقول ﴿ويسألونك عَن الجبال فَقل ينسفها رَبِّي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فِيها عوجا ولا أمتا﴾
فَهَذا حال الجبال وهِي الحِجارَة الصلبة وهَذِه رقتها وخشيتها وتدكدكها من جلال رَبها وعظمته، وقد أخبر عَنْها فاطرها باريها أنه لَو أنْزلْ عَلَيْها كَلامه لخشعت ولتصدعت من خشيَة الله فيا عجبا من مُضْغَة لحم أقسى من هَذِه الجبال تسمع آيات الله تتلى عَلَيْها ويذكر الرب تبارك وتَعالى فَلا تلين ولا تخشع ولا تنيب، فَلَيْسَ بمستنكر على الله عز وجل، ولا يُخالف حكمته أن يخلق لَها نارا تذيبها إذْ لم تلن بِكَلامِهِ وذكره وزواجره ومواعظه، فَمن لم يلن لله في هَذِه الدّار قلبه ولم ينب إليه ولم يذبه بحبه والبكاء من خَشيته فليتمتع قَلِيلا فإن أمامه الملين الأعظم وسَيَرِدُ إلى عالم الغَيْب والشَّهادَة فَيرى ويعلم.
[فائدة: كِتابٌ لِلْخُرّاجِ]
يُكْتَبُ عَلَيْهِ: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾.