×
البقرةالآية ١٩٩

تفسير ابن القيم — ابن قيم الجوزية

ثُمَّ أَفِيضُوا۟ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسْتَغْفِرُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿١٩٩﴾

ومن أنصف نفسه وعرف أعماله استحى من الله أن يواجهه بعمله، أو يرضاه لربه، وهو يعلم من نفسه أنه لو عمل لمحبوب له من الناس لبذل فيه نصحه، ولم يدع من حسنه شيئًا إلا فعله. وبالجملة فهذا حال هذا العبد مع ربه في جميع أعماله، فهو يعلم أنه لا يوفي هذا المقام حقه، فهو أبدًا يستغفر الله عقيب كل عمل، وكان النبي ﷺ إذا سلم من الصلاة استغفر الله ثلاثًا. وقال تعالى: ﴿وَبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ قال الحسن: مدوا الصلاة إلى السحر، ثم جلسوا يستغفرون ربهم. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ واسْتَغْفِرُوا اللهَ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فأمر سبحانه بالاستغفار بعد الوقوف بعرفة والمزدلفة، وشرع للمتوضئ أن يقول بعد وضوئه: "اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوّابِينَ واجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِين" فهذه توبة بعد الوضوءِ، وتوبة بعد الحج، وتوبة بعد الصلاة، وتوبة بعد قيام الليل. فصاحب هذا المقام مضطر إلى التوبة والاستغفار كما تبين، فهو لا يزال مستغفرًا تائبًا، وكلما كثرت طاعاته كثرت توبته واستغفاره. (فصل) وجماع الأمر في ذلك إنما هو بتكميل عبودية الله - عز وجل - في الظاهر والباطن، فتكون حركات نفسه وجسمه كلها في محبوبات الله، وكمال عبودية العبد موافقته لربه في محبته ما أحبه، وبذل الجهد في فعله وموافقته في كراهة ما كرهه وبذل الجهد في تركه، وهذا إنما يكون للنفس المطمئنة، لا للأمّارة ولا للَّوامة.