×
البقرةالآية ١٤٣

تفسير ابن القيم — ابن قيم الجوزية

وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِى كُنتَ عَلَيْهَآ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴿١٤٣﴾

(من أدِلَّةِ اتِّباعِ أقْوالِ الصَّحابَةِ) قَوْله تَعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ وَوَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ جَعَلَهم أُمَّةً خِيارًا عُدُولًا، هَذا حَقِيقَةُ الوَسَطِ، فَهم خَيْرُ الأُمَمِ، وأعْدَلُها في أقْوالِهِمْ، وأعْمالِهِمْ، وإرادَتِهِمْ ونِيّاتِهِمْ، وبِهَذا اسْتَحَقُّوا أنْ يَكُونُوا شُهَداءَ لِلرُّسُلِ عَلى أُمَمِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، واللَّهُ تَعالى يَقْبَلُ شَهادَتَهم عَلَيْهِمْ، فَهم شُهَداؤُهُ، ولِهَذا نَوَّهَ بِهِمْ ورَفَعَ ذِكْرَهُمْ، وأثْنى عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا اتَّخَذَهم شُهَداءَ أعْلَمَ خَلْقَهُ مِن المَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ بِحالِ هَؤُلاءِ الشُّهَداءِ، وأمَرَ مَلائِكَتَهُ أنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِمْ وتَدْعُوَ لَهم وتَسْتَغْفِرَ لَهُمْ، والشّاهِدُ المَقْبُولُ عِنْدَ اللَّهِ هو الَّذِي يَشْهَدُ بِعِلْمٍ وصِدْقٍ فَيُخْبِرُ بِالحَقِّ مُسْتَنِدًا إلى عِلْمِهِ بِهِ كَما قالَ تَعالى ﴿إلا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] فَقَدْ يُخْبِرُ الإنْسانُ بِالحَقِّ اتِّفاقًا مِن غَيْرِ عِلْمِهِ بِهِ، وقَدْ يَعْلَمُهُ ولا يُخْبِرُ بِهِ؛ فالشّاهِدُ المَقْبُولُ عِنْدَ اللَّهِ هو الَّذِي يُخْبِرُ بِهِ عَنْ عِلْمٍ؛ فَلَوْ كانَ عِلْمُهم أنْ يُفْتِيَ أحَدُهم بِفَتْوى وتَكُونُ خَطَأً مُخالَفَةً لِحُكْمِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ولا يُفْتِي غَيْرَهُ بِالحَقِّ الَّذِي هو حُكْمُ اللَّهِ ورَسُولِهِ إمّا مَعَ اشْتِهارِ فَتْوى الأوَّلِ أوْ بِدُونِ اشْتِهارِها كانَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ العَدْلُ الخِيارُ قَدْ أطْبَقَتْ عَلى خِلافِ الحَقِّ، بَلْ انْقَسَمُوا قِسْمَيْنِ قِسْمًا أفْتى بِالباطِلِ وقِسْمًا سَكَتَ عَنْ الحَقِّ، وهَذا مِن المُسْتَحِيلِ فَإنَّ الحَقَّ لا يَعْدُوهم ويَخْرُجُ عَنْهم إلى مَن بَعْدَهم قَطْعًا، ونَحْنُ نَقُولُ لِمَن خالَفَ أقْوالَهُمْ: لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ. (لطيفة) أخْبَرَ تعالى أنَّهُ جَعَلَهم عُدُولًا خِيارًا، ونَوَّهَ بِذِكْرِهِمْ قَبْلَ أنْ يُوجِدَهُمْ، لِما سَبَقَ في عِلْمِهِ مِنَ اتِّخاذِهِ لَهم شُهَداءً يَشْهَدُونَ عَلى الأُمَمِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَمَن لَمْ يَقُمْ بِهَذِهِ الشَّهادَةِ - عِلْمًا وعَمَلًا، ومَعْرِفَةً وإقْرارًا، ودَعْوَةً وتَعْلِيمًا، وإرْشادًا - فَلَيْسَ مِن شُهَداءِ اللَّهِ، واللَّهُ المُسْتَعانُ.