تفسير ابن القيم — ابن قيم الجوزية
وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا ﴿٧١﴾
وَذَكَرَ أحمد عَنْهُ ﷺ: «مَن حَرَسَ مِن وراءِ المُسْلِمِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ مُتَطَوِّعًا لا يَأْخُذُهُ سُلْطانٌ، لَمْ يَرَ النّارَ بِعَيْنَيْهِ إلّا تَحِلَّةَ القَسَمِ، فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾».
وَقالَ لِرَجُلٍ حَرَسَ المُسْلِمِينَ لَيْلَةً في سَفَرِهِمْ مِن أوَّلِها إلى الصَّباحِ عَلى ظَهْرِ فَرَسِهِ لَمْ يَنْزِلْ إلّا لِصَلاةٍ أوْ قَضاءِ حاجَةٍ: «قَدْ أوْجَبْتَ فَلا عَلَيْكَ ألّا تَعْمَلَ بَعْدَها».
(فائدة)
ولما قال ﷺ "لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة"
قالت له حفصة أليس الله يقول: ﴿وَإنْ مِنكم إلاَّ وارِدُها﴾؟
قال: ألم تسمعي قوله تعالى ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ونَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ "
فأشكل عليها الجمع بين النصين، وظنت الورود دخولها كما يقال ورد المدينة إذا دخلها، فأجاب النبي ﷺ بأن ورود المتقين غير ورود الظالمين، فإن المتقين يردونها ورودا ينجون به من عذابها، والظالمين يردونها ورودا يصيرون جثيا فيها به، فليس الورود كالورود.
(لطيفة)
لَمّا تَجَهَّزَ النّاسُ في غَزْوَةِ مُؤْتَةَ وهم ثَلاثَةُ آلافٍ، فَلَمّا حَضَرَ خُرُوجُهُمْ، ودَّعَ النّاسُ أُمَراءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وسَلَّمُوا عَلَيْهِمْ، فَبَكى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ، فَقالُوا: ما يُبْكِيكَ؟
فَقالَ: أما واللَّهِ ما بِي حُبُّ الدُّنْيا ولا صَبابَةٌ بِكُمْ، ولَكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ آيَةً مِن كِتابِ اللَّهِ يَذْكُرُ فِيها النّارَ ﴿وَإنْ مِنكم إلّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾
فَلَسْتُ أدْرِي كَيْفَ لِي بِالصَّدَرِ بَعْدَ الوُرُودِ؟
فَقالَ المُسْلِمُونَ: صَحِبَكُمُ اللَّهُ بِالسَّلامَةِ، ودَفَعَ عَنْكم ورَدَّكم إلَيْنا صالِحِينَ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ:
؎لَكِنَّنِي أسْألُ الرَّحْمَنَ مَغْفِرَةً ∗∗∗ وضَرْبَةً ذاتَ فَرْغٍ تَقْذِفُ الزَّبَدا
؎أوْ طَعْنَةً بِيَدَيْ حَرّانَ مُجْهِزَةً ∗∗∗ بِحَرْبَةٍ تُنْفِذُ الأحْشاءَ والكَبِدا
؎حَتّى يُقالَ إذا مَرُّوا عَلى جَدَثِي ∗∗∗ يا أرْشَدَ اللَّهُ مِن غازٍ وقَدْ رَشَدا