×
الإسراءالآية ٧٢

تفسير ابن القيم — ابن قيم الجوزية

وَمَن كَانَ فِى هَـٰذِهِۦٓ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا ﴿٧٢﴾

والمراد عمى القلب في الدُّنْيا. وَقالَ تَعالى ﴿ونحشرهم يَوْم القِيامَة على وُجُوههم عميا وبكما وصما مأواهم جَهَنَّم﴾ لأنهم هَكَذا كانُوا في الدُّنْيا والعَبْد يبْعَث على ما ماتَ عَلَيْهِ. واخْتلف في هَذا العَمى في الآخرة فَقيل هو عمى البصيرة بِدَلِيل إخباره تَعالى عَن رُؤْيَة الكفّار ما في القِيامَة ورؤية المَلائِكَة ورؤية النّار. وَقيل هو عمي البَصَر ورجح هَذا بأن الإطلاق ينْصَرف إليه وبِقَوْلِهِ ﴿قالَ رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بَصيرًا﴾ وهَذا عمي العين فإن الكافِر لم يكن بَصيرًا بحجته. وأجاب هَؤُلاءِ عَن رُؤْيَة الكفّار في القِيامَة بِأن الله يخرجهم من قُبُورهم إلى موقف القِيامَة بصراء ويحشرون من الموقف إلى النّار عميا. قالَه الفراء وغَيره. (فصل) المَعادُ يَعُودُ عَلى العَبْدِ فِيهِ ما كانَ حاصِلًا لَهُ في الدُّنْيا ولِهَذا يُسَمّى يَوْمَ الجَزاءِ: ﴿وَمَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا﴾، ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى. .﴾ [مريم: ٧٦] الآيَةَ. وَمَن كانَ مُسْتَوْحِشًا مَعَ اللَّهِ بِمَعْصِيَتِهِ إيّاهُ في هَذِهِ الدّارِ فَوَحْشَتُهُ مَعَهُ في البَرْزَخِ يَوْمَ المَعادِ أعْظَمُ وأشَدُّ، ومَن قَرَّتْ عَيْنُهُ بِهِ في " هَذِهِ الحَياةِ " الدُّنْيا قَرَّتْ عَيْنُهُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ وعِنْدَ المَوْتِ ويَوْمَ البَعْثِ فَيَمُوتُ العَبْدُ عَلى ما عاشَ عَلَيْهِ، ويُبْعَثُ عَلى ما ماتَ عَلَيْهِ، ويَعُودُ عَلَيْهِ عَمَلُهُ بِعَيْنِهِ فَيَنْعَمُ بِهِ ظاهِرًا وباطِنًا. فَيُورِثُهُ مِنَ الفَرَحِ والسُّرُورِ واللَّذَّةِ والبَهْجَةِ وقُرَّةِ العَيْنِ والنَّعِيمِ وقُوَّةِ القَلْبِ واسْتِبْشارِهِ وحَياتِهِ وانْشِراحِهِ واغْتِباطِهِ ما هو مِن أفْضَلِ النَّعِيمِ وأجَلِّهِ وأطْيَبِهِ وألَذِّهِ، وهَلِ النَّعِيمُ إلّا طِيبُ النَّفْسِ وفَرَحُ القَلْبِ وسُرُورُهُ وانْشِراحُهُ واسْتِبْشارُهُ، هَذا ويَنْشَأُ لَهُ مِن أعْمالِهِ ما تَشْتَهِيهِ نَفْسُهُ وتَلَذُّهُ عَيْنُهُ مِن سائِرِ المُشْتَهَياتِ الَّتِي تَشْتَهِيها الأنْفُسُ وتَلَذُّها الأعْيُنُ ويَكُونُ تَنَوُّعُ تِلْكَ المُشْتَهَياتِ وكَمالُها وبُلُوغُها مَرْتَبَةَ الحُسْنِ والمُوافِقَةِ بِحَسَبِ كَمالِ عَمَلِهِ ومُتابَعَتِهِ فِيهِ وإخْلاصِهِ وبُلُوغِهِ مَرْتَبَةَ الإحْسانِ فِيهِ، وبِحَسَبِ تَنَوُّعِهِ، فَمَن تَنَوَّعَتْ أعْمالُهُ المُرْضِيَةُ لِلَّهِ المَحْبُوبَةُ لَهُ في هَذِهِ الدّارِ تَنَوَّعَتِ الأقْسامُ الَّتِي يَتَلَذَّذُ بِها في تِلْكَ الدّارِ وتَكَثَّرَتْ لَهُ بِحَسَبِ تَكَثُّرِ أعْمالِهِ هُنا وكانَ مَزِيدُهُ مِن تَنَوُّعِها والِابْتِهاجِ بِها والِالتِذاذِ بِنَيْلِها هُناكَ عَلى حَسَبِ مَزِيدِهِ مِنَ الأعْمالِ وتَنَوُّعِهِ فِيها في هَذِهِ الدّارِ وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِكُلِّ عَمَلٍ مِنَ الأعْمالِ المَحْبُوبَةِ لَهُ والمَسْخُوطَةِ أثَرًا وجَزاءً ولَذَّةً وألَمًا يَخُصُّهُ لا يُشْبِهُ أثَرُ الآخَرِ وجَزاءُهُ. وَلِهَذا تَنَوَّعَتْ لَذّاتُ أهْلِ الجَنَّةِ وآلامُ أهْلِ النّارِ، وتَنَوَّعَ ما فِيهِما مِنَ الطَّيِّباتِ والعُقُوباتِ فَلَيْسَتْ لَذَّةُ مَن ضَرَبَ في كُلِّ مَرْضاةِ اللَّهِ بِسَهْمٍ وأخَذَ مِنها بِنَصِيبٍ كَلَذَّةِ مَن أنْمى سَهْمَهُ ونَصِيبَهُ في نَوْعٍ واحِدٍ مِنها ولا ألَمُ مَن ضَرَبَ في كُلِّ مَسْخُوطٍ لِلَّهِ بِنَصِيبٍ وعُقُوبَتُهُ كَألَمِ مَن ضَرَبَ بِسَهْمٍ واحِدٍ في مَساخِطِهِ. وَقَدْ أشارَ النَّبِيُّ ﷺ إلى أنَّ كَمالَ ما يَسْتَمْتِعُ بِهِ مِنَ الطَّيِّباتِ في الآخِرَةِ بِحَسَبِ كَمالِ ما قابَلَهُ مِنَ الأعْمالِ في الدُّنْيا (. . . . «فَرَأى قِنْوًا مَن حَشَفٍ مُعَلَّقًا في المَسْجِدِ لِلصَّدَقَةِ فَقالَ إنَّ صاحِبَ هَذا يَأْكُلُ الحَشَفَ يَوْمَ القِيامَةِ») فَأخْبَرَ أنَّ جَزاءَهُ يَكُونُ مِن جِنْسِ عَمَلِهِ فَيُجْزى عَلى تِلْكَ الصَّدَقَةِ بِحَشَفٍ مِن جِنْسِها.