تفسير ابن القيم — ابن قيم الجوزية
وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴿٢٣﴾
[فصل: العَمَلُ بِالقِياسِ مَرْكُوزٌ في فِطَرِ النّاسِ]
وَفَهِمْتُ مِن قَوْله تَعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ إرادَةَ النَّهْيِ عَنْ جَمِيعِ أنْواعِ الأذى بِالقَوْلِ والفِعْلِ، وإنْ لَمْ تَرِدْ نُصُوصٌ أُخْرى بِالنَّهْيِ عَنْ عُمُومِ الأذى، فَلَوْ بَصَقَ رَجُلٌ في وجْهِ والِدَيْهِ وضَرَبَهُما بِالنَّعْلِ وقالَ: إنِّي لَمْ أقُلْ لَهُما أُفٍّ لَعَدَّهُ النّاسُ في غايَةِ السَّخافَةِ والحَماقَةِ والجَهْلِ مِن مُجَرَّدِ تَفْرِيقِهِ بَيْنَ التَّأْفِيفِ المَنهِيِّ عَنْهُ وبَيْنَ هَذا الفِعْلِ قَبْلَ أنْ يَبْلُغَهُ نَهْيٌ غَيْرُهُ، ومَنعُ هَذا مُكابَرَةٌ لِلْعَقْلِ والفَهْمِ والفِطْرَةِ.
فَمَن عَرَفَ مُرادَ المُتَكَلِّمِ بِدَلِيلٍ مِن الأدِلَّةِ وجَبَ اتِّباعُ مُرادِهِ، والألْفاظُ لَمْ تُقْصَدْ لِذَواتِها، وإنَّما هي أدِلَّةٌ يُسْتَدَلُّ بِها عَلى مُرادِ المُتَكَلِّمِ، فَإذا ظَهَرَ مُرادُهُ ووَضَحَ بِأيِّ طَرِيقٍ كانَ عَمَلٌ بِمُقْتَضاهُ، سَواءٌ كانَ بِإشارَةٍ، أوْ كِتابَةٍ، أوْ بِإيماءَةٍ أوْ دَلالَةٍ عَقْلِيَّةٍ، أوْ قَرِينَةٍ حالِيَّةٍ، أوْ عادَةٍ لَهُ مُطَّرِدَةٍ لا يُخِلُّ بِها، أوْ مِن مُقْتَضى كَمالِهِ وكَمالِ أسْمائِهِ وصِفاتِهِ وأنَّهُ يُمْتَنَعُ مِنهُ إرادَةُ ما هو مَعْلُومُ الفَسادِ وتَرْكُ إرادَةِ ما هو مُتَيَقَّنٌ مَصْلَحَتُهُ، وأنَّهُ يُسْتَدَلُّ عَلى إرادَتِهِ لِلنَّظِيرِ بِإرادَةِ نَظِيرِهِ ومِثْلِهِ وشَبَهِهِ، وعَلى كَراهَةِ الشَّيْءِ بِكَراهَةِ مِثْلِهِ ونَظِيرِهِ ومُشَبَّهِهِ، فَيَقْطَعُ العارِفُ بِهِ وبِحِكْمَتِهِ وأوْصافِهِ عَلى أنَّهُ يُرِيدُ هَذا ويَكْرَهُ هَذا، ويُحِبُّ هَذا ويَبْغَضُ هَذا.
وَأنْتَ تَجِدُ مَن لَهُ اعْتِناءٌ شَدِيدٌ بِمَذْهَبِ رَجُلٍ وأقْوالِهِ كَيْفَ يَفْهَمُ مُرادَهُ مِن تَصَرُّفِهِ ومَذاهِبِهِ؟ ويُخْبِرُ عَنْهُ بِأنَّهُ يُفْتِي بِكَذا ويَقُولُهُ، وأنَّهُ لا يَقُولُ بِكَذا ولا يَذْهَبُ إلَيْهِ، لِما لا يُوجَدُ في كَلامِهِ صَرِيحًا، وجَمِيعُ أتْباعِ الأئِمَّةِ مَعَ أئِمَّتِهِمْ بِهَذِهِ المَثابَةِ.