×
الحجرالآية ٩٤

تفسير ابن القيم — ابن قيم الجوزية

فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴿٩٤﴾

(لطيفة) سمع بعض الأعراب قارئا يقرأ ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ فسجد فقيل له ليست بآية سجود! فقال سجدت لفصاحة هذا الكلام. [فَصْلٌ: أكْمَلُ الخَلْقِ مَن كَمَّلَ مَراتِبَ الجِهادِ] وَأكْمَلُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ مَن كَمَّلَ مَراتِبَ الجِهادِ كُلَّها، والخَلْقُ مُتَفاوِتُونَ في مَنازِلِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَفاوُتُهم في مَراتِبِ الجِهادِ، ولِهَذا كانَ أكْمَلُ الخَلْقِ وأكْرَمُهم عَلى اللَّهِ خاتِمَ أنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ، فَإنَّهُ كَمَّلَ مَراتِبَ الجِهادِ، وجاهَدَ في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ، وشَرَعَ في الجِهادِ مِن حِينَ بُعِثَ إلى أنْ تَوَفّاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، فَإنَّهُ لَمّا نَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ قُمْ فَأنْذِرْ ورَبَّكَ فَكَبِّرْ وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ١-٤] شَمَّرَ عَنْ ساقِ الدَّعْوَةِ، وقامَ في ذاتِ اللَّهِ أتَمَّ قِيامٍ، ودَعا إلى اللَّهِ لَيْلًا ونَهارًا، وسِرًّا وجِهارًا، ولَمّا نَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] فَصَدَعَ بِأمْرِ اللَّهِ لا تَأْخُذُهُ فِيهِ لَوْمَةُ لائِمٍ، فَدَعا إلى اللَّهِ الصَّغِيرَ والكَبِيرَ والحُرَّ والعَبْدَ والذَّكَرَ والأُنْثى والأحْمَرَ والأسْوَدَ والجِنَّ والإنْسَ. وَلَمّا صَدَعَ بِأمْرِ اللَّهِ وصَرَّحَ لِقَوْمِهِ بِالدَّعْوَةِ، وناداهم بِسَبِّ آلِهَتِهِمْ، وعَيْبِ دِينِهِمْ، اشْتَدَّ أذاهم لَهُ، ولِمَنِ اسْتَجابَ لَهُ مِن أصْحابِهِ، ونالُوهُ ونالُوهم بِأنْواعِ الأذى، وهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في خَلْقِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ما يُقالُ لَكَ إلّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ [فصلت: ٤٣] وقالَ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢] وقالَ: ﴿كَذَلِكَ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا قالُوا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ - أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٢-٥٣]. فَعَزّى سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ بِذَلِكَ، وأنَّ لَهُ أُسْوَةً بِمَن تَقَدَّمَهُ مِنَ المُرْسَلِينَ، وعَزّى أتْباعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤].