×
إبراهيمالآية ٣٩

تفسير ابن القيم — ابن قيم الجوزية

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ ۚ إِنَّ رَبِّى لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ ﴿٣٩﴾

وأما قول إبراهيم الخليل: ﴿إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ فالمراد بالسمع هنا السمع الخاص وهو سمع الإجابة والقبول لا السمع العام لأنه سميع لكل مسموع وإذا كان كذلك فالدعاء هنا يتناول دعاء الثناء ودعاء الطلب وسمع الرب تبارك وتعالى له إثابته على الثناء وإجابته للطلب فهو سميع لهذا وهذا. ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ فالمعنى أنه ملاق جهنم بعد موته فهي من بعده أي بعد مفارقته الدنيا فهي لما كان تبعد حياته كانت وراءه لأن وراء كبعد فكما لا يكون بعد قبل فلا يكون وراء أمام، وأنت لو قلت: "جهنم بعد موت الكافر" لم يكن فيها معنى قبل بوجه. فوراء هاهنا زمان لا مكان فتأمله - رحمك الله تعالى - فهي خلف زمان حياته وبعده، وهي أمامه ومستقبلته. فكونها خلفا وأماما باعتبارين، وإنما وقع الاشتباه لأن بعدية الزمان إنما يكون فيما يستقبل أمامك كقولك: بعد غد وورائية المكان فيما تخلف وراء ظهرك فـ (من ورائه جهنم) ورائية زمان لا مكان، وهي إنما تكون في المستقبل الذي هو أمامك، فلما كان معنى الأمام لازم لها ظن من ظن أنها مشتركة ولا اشتراك فيها وكذلك قوله: ﴿وَمِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ وكذلك: ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ وأما قوله: ﴿وَكانَ وراءَهم مَلِكٌ﴾ فإن صحت قراءة وكان أمامهم ملك فلها معنى لا يناقض القراءة العامة وهو أن الملك كان خلف ظهورهم وكان مرجعهم عليه فهو وراءهم في ذهابهم وأمامهم في مرجعهم فالقراءتان بالاعتبارين. والله سبحانه وتعالى أعلم.