×
يونسالآية ٥٣

تفسير ابن القيم — ابن قيم الجوزية

وَيَسْتَنۢبِـُٔونَكَ أَحَقٌّ هُوَ ۖ قُلْ إِى وَرَبِّىٓ إِنَّهُۥ لَحَقٌّ ۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ﴿٥٣﴾

[فصل: في حَلِف المفتى عَلى ثُبُوتِ الحُكْمِ] يَجُوزُ لِلْمُفْتِي والمُناظِرِ أنْ يَحْلِفَ عَلى ثُبُوتِ الحُكْمِ عِنْدَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ حَلِفُهُ مُوجِبًا لِثُبُوتِهِ عِنْدَ السّائِلِ والمُنازِعِ؛ لِيَشْعُرَ السّائِلُ والمُنازِعُ لَهُ أنَّهُ عَلى ثِقَةٍ ويَقِينٍ مِمّا قالَ لَهُ، وأنَّهُ غَيْرُ شاكٍّ فِيهِ، فَقَدْ تَناظَرَ رَجُلانِ في مَسْألَةٍ؛ فَحَلَفَ أحَدُهُما عَلى ما يَعْتَقِدُهُ، فَقالَ لَهُ مُنازِعُهُ: لا يَثْبُتُ الحُكْمُ بِحَلِفِك، فَقالَ: إنِّي لَمْ أحْلِفْ لِيَثْبُتَ الحُكْمُ عِنْدَك، ولَكِنْ؛ لِأُعْلِمَك أنِّي عَلى يَقِينٍ وبَصِيرَةٍ مِن قَوْلِي، وأنَّ شُبْهَتَك لا تُغَيِّرُ عِنْدِي في وجْهِ يَقِينِي ما أنا جازِمٌ بِهِ. وَقَدْ أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَحْلِفَ عَلى ثُبُوتِ الحَقِّ الَّذِي جاءَ بِهِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ مِن كِتابِهِ، أحَدُها: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣] والثّانِي: قَوْله تَعالى ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكم عالِمِ الغَيْبِ﴾ [سبأ: ٣] والثّالِثُ: قَوْله تَعالى ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧]. وَقَدْ أقْسَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ مِن الحَقِّ في أكْثَرَ مِن ثَمانِينَ مَوْضِعًا، وهي مَوْجُودَةٌ في الصِّحاحِ والمَسانِيدِ، وقَدْ كانَ الصَّحابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - يَحْلِفُونَ عَلى الفَتاوى والرِّوايَةِ، «فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ لِابْنِ عَبّاسٍ في مُتْعَةِ النِّساءِ: إنّك امْرُؤٌ تائِهٌ، فانْظُرْ ما تُفْتِي بِهِ في مُتْعَةِ النِّساءِ، فَواللَّهِ وأشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ نَهى عَنْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ». وَلَمّا وُلِّيَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: يا أيُّها النّاسُ إنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أحَلَّ المُتْعَةَ ثَلاثًا، ثُمَّ حَرَّمَها ثَلاثًا، فَأنا أُقْسِمُ بِاللَّهِ قَسَمًا لا أجِدُ أحَدًا مِن المُسْلِمِينَ مُتَمَتِّعًا إلّا رَجَمْتُهُ، إلّا أنْ يَأْتِيَ بِأرْبَعَةٍ مِن المُسْلِمِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أحَلَّها بَعْدَ أنْ حَرَّمَها. وَقَدْ حَلَفَ الشّافِعِيُّ في بَعْضِ أجْوِبَتِهِ، فَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَكَمِ: سَألْت الشّافِعِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ المُتْعَةِ كانَ يَكُونُ فِيها طَلاقٌ أوْ مِيراثٌ أوْ نَفَقَةٌ أوْ شَهادَةٌ؟ فَقالَ: لا واللَّهِ ما أدْرِي. وَقالَ يَزِيدُ بْنُ هارُونَ: مَن قالَ القُرْآنُ مَخْلُوقٌ أوْ شَيْءٌ مِنهُ مَخْلُوقٌ فَهو واللَّهِ عِنْدِي زِنْدِيقٌ. وَسُئِلَ عَنْ حَدِيثِ جَرِيرٍ في الرُّؤْيَةِ، فَقالَ: واللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو مَن كَذَّبَ بِهِ ما هم إلّا زَنادِقَةً، وأمّا الإمامُ أحْمَدُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ ورِضْوانُهُ فَإنَّهُ حَلَفَ عَلى عِدَّةِ مَسائِلَ مِن فَتاوِيهِ. قِيلَ: أيَزِيدُ الرَّجُلُ في الوُضُوءِ عَلى ثَلاثِ مَرّاتٍ؟ فَقالَ: لا واللَّهِ، إلّا رَجُلٌ مُبْتَلًى، يَعْنِي بِالوَسْواسِ. وَسُئِلَ عَنْ تَخَلُّلِ الرَّجُلِ لِحْيَتَهُ إذا تَوَضَّأ، فَقالَ: إي واللَّهِ. وَسُئِلَ يَكُونُ الرَّجُلُ في الجِهادِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ يُبارِزُ عِلْجًا بِغَيْرِ إذْنِ الإمامِ، فَقالَ: لا واللَّهِ. وَقِيلَ لَهُ: أتَكْرَهُ الصَّلاةَ في المَقْصُورَةِ؟ فَقالَ: إي واللَّهِ، قُلْت: وهَذا لَمّا كانَتْ المَقْصُورَةُ تُحْمى لِلْأُمَراءِ وأتْباعِهِمْ. وَسُئِلَ: أيُؤْجَرُ الرَّجُلُ عَلى بُغْضِ مَن خالَفَ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَقالَ: إي واللَّهِ. وَسُئِلَ: مَن قالَ القُرْآنُ مَخْلُوقٌ كافِرٌ؟ فَقالَ: إي واللَّهِ، وسُئِلَ: هَلْ صَحَّ عِنْدَك في النَّبِيذِ حَدِيثٌ؟ فَقالَ: واللَّهِ ما صَحَّ عِنْدِي حَدِيثٌ واحِدٌ إلّا عَلى التَّحْرِيمِ. وَقالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَوْنٍ: يا أبا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُونَ: إنّك وقَفْت عَلى عُثْمانَ، فَقالَ: كَذَبُوا واللَّهِ عَلَيَّ، وإنَّما حَدَّثَتْهم بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «كُنّا نُفاضِلُ بَيْنَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، نَقُولُ: أبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمانُ ثُمَّ عَلِيٌّ، فَيَبْلُغُ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ، ولَمْ يَقُلْ النَّبِيُّ ﷺ لا تُخايِرُوا بَعْدَ هَؤُلاءِ، فَمَن وقَفَ عَلى عُثْمانَ ولَمْ يُرَبِّعْ بِعَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَهو عَلى غَيْرِ السُّنَّةِ». وَسُئِلَ أحْمَدُ: هَلْ المُقامُ بِالثَّغْرِ أفْضَلُ مِن المُقامِ بِمَكَّةَ؟ فَقالَ: إي واللَّهِ.