×
الأعرافالآية ١٨٤

محاسن التأويل — القاسمي

أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا۟ ۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴿١٨٤﴾

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٨٤] ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ " ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ﴾ أيْ كَما يَخْتَلِقُونَ. والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، أيْ: أوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنَّهُ لَيْسَ بِصاحِبِهِمُ الَّذِي هو أعْظَمُ الأُمَّةِ الهادِيَةِ بِالحَقِّ، شَيْءٌ مِن جِنَّةٍ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ " ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ إنْكارًا لِعَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ في شَأْنِهِ، المُوقَفِ عَلى صِدْقِهِ، وصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ. ثُمَّ ابْتَدَأ نَفْيَ الجِنَّةِ عَنْهُ تَعْجِيبًا وتَبْكِيتًا. (p-٢٩١٥)و(الجِنَّةُ) مَصْدَرٌ، كالجِلْسَةِ، بِمَعْنى الجُنُونِ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ الجِنَّ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾ [الناس: ٦] لِأنَّهُ يَحُوجُ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: مَسَّهُ جِنَّةٌ أوْ تَخَبُّطُها. والتَّعْبِيرُ عَنْهُ ﷺ بِ (صاحِبِهِمْ) لِلْإيذانِ بِأنَّ طُولَ مُصاحِبَتِهِمْ لَهُ، مِمّا يُطْلِعُهم عَلى نَزاهَتِهِ عَمّا ذُكِرَ، فَفِيهِ تَأْكِيدٌ لِلنَّكِيرِ، وتَشْدِيدٌ لَهُ " ﴿إنْ هو إلا نَذِيرٌ﴾ أيْ: رَسُولٌ مُخَوِّفٌ " ﴿مُبِينٌ﴾ أيْ مُوَضِّحٌ إنْذارَهُ، مُبالَغَةً في الإعْذارِ. ولَمّا نَعى عَلَيْهِمْ تَفَكُّرَهم في شَأْنِهِ ﷺ، أنْكَرَ إخْلالَهم في التَّأمُّلِ بِالآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ المَنصُوبَةِ في الآفاقِ والأنْفُسِ، الشّاهِدَةِ بِصِحَّةِ الآياتِ المُنَزَّلَةِ، فَقالَ سُبْحانَهُ: