محاسن التأويل — القاسمي
تِلْكَ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآئِهَا ۚ وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَمَا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوا۟ بِمَا كَذَّبُوا۟ مِن قَبْلُ ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْكَـٰفِرِينَ ﴿١٠١﴾
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠١] ﴿تِلْكَ القُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْبائِها ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ﴾
﴿تِلْكَ القُرى﴾ " أيِ المَذْكُورَةُ وهي قُرى قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ، وقَوْمِ لُوطٍ، وقَوْمِ شُعَيْبٍ ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْبائِها﴾ " مِمّا يَدُلُّ عَلى مُؤاخَذَتِهِمْ بِذُنُوبِهِمْ لِإصْرارِهِمْ عَلَيْها بَعْدَ التَّنْبِيهِ.
(p-٢٨٢٩)ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ أعْذَرَ إلَيْهِمْ بِأنْ بَيَّنَ لَهُمُ الحَقَّ بِالحُجَجِ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ عِنْدَ مَجِيءِ الرُّسُلِ بِالبَيِّناتِ والدَّلائِلِ القاطِعَةِ ﴿بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ﴾ " أيْ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِالحَقِّ أوَّلَ ما ورَدَ عَلَيْهِمْ، إذْ تَمَرَّنُوا عَلى التَّكْذِيبِ، فَلَمْ تُفِدْهُمُ الآياتُ، واسْتَوَتْ عِنْدَهُمُ الحالَتانِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩] ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠] الآيَةَ ولِهَذا قالَ: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ﴾ أيْ مِنَ المَذْكُورِينَ وغَيْرِهِمْ، فَلا يَكادُ يُؤَثِّرُ فِيها الآياتُ والنُّذُرُ، لِما عَلِمَ أنَّهم يَخْتارُونَ الثَّباتَ عَلى الكُفْرِ.