محاسن التأويل — القاسمي
قُلْ سِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ ثُمَّ ٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴿١١﴾
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١] ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾
﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ أيْ: سِيرُوا في الأرْضِ لِتَعَرُّفِ أحْوالِ أُولَئِكَ الأُمَمِ، وتَفَكَّرُوا في أنَّهم كَيْفَ أُهْلِكُوا لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ وعانَدُوا، فَتَعْرِفُوا صِحَّةَ ما تُوعَظُونَ بِهِ. وفي السَّيْرِ في الأرْضِ، والسِّفْرِ في البِلادِ، ومُشاهَدَةِ تِلْكَ الآثارِ الخاوِيَةِ عَلى عُرُوشِها - تَكْمِلَةٌ لِلِاعْتِبارِ، وتَقْوِيَةٌ لِلِاسْتِبْصارِ؛ أيْ: فَلا تَغْتَرُّوا بِما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّمَتُّعِ بِلَذّاتِ الدُّنْيا وشَهَواتِها.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَكْمِلَةٌ لِلتَّسْلِيَةِ، بِما في ضِمْنِها مِنَ العِدَةِ اللَّطِيفَةِ، بِأنَّهُ سَيَحِيقُ بِهِمْ مِثْلُ ما حاقَ بِأضْرابِهِمْ المُكَذِّبِينَ، وقَدْ أنْجَزَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ أيَّ إنْجازٍ.
(p-٢٢٥٣)لَطِيفَةٌ:
وقَعَ هُنا: ثُمَّ انْظُرُوا. وفي النَّمْلِ: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا﴾ [النمل: ٦٩] وكَذا في العَنْكَبُوتِ. فَتَكَلَّفَ بَعْضُهم لِتَخْصِيصِ ما هُنا بِ [ ثُمَّ ]، كَما هو مَبْسُوطٌ في "العِنايَةِ"، مَعَ ما عَلَيْهِ. ونُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ السَّيْرَ مُتَّحِدٌ فِيهِما، ولَكِنَّهُ أمْرٌ مُمْتَدٌّ، يُعْطَفُ بِالفاءِ تارَةً، نَظَرًا لِآخِرِهِ، وبِ [ ثُمَّ ] نَظَرًا لِأوَّلِهِ، ولا فَرْقَ بَيْنَهُما.
وفِي "الِانْتِصافِ": الأظْهَرُ أنْ يُجْعَلَ الأمْرُ بِالسَّيْرِ في المَكانَيْنِ واحِدًا، لِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا في النَّظَرِ، فَحَيْثُ دَخَلَتِ الفاءُ، فَلِإظْهارِ السَّبَبِيَّةِ. وحَيْثُ دَخَلَتْ ثُمَّ، فَلِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ النَّظَرَ هو المَقْصُودُ مِنَ السَّيْرِ، وأنَّ السَّيْرَ وسِيلَةٌ إلَيْهِ لا غَيْرَ. وشَتّانَ بَيْنَ المَقْصُودِ والوَسِيلَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.