محاسن التأويل — القاسمي
وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَـٰقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا۟ فِى ٱلسَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَـٰقًا غَلِيظًا ﴿١٥٤﴾
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُلْنا لَهم لا تَعْدُوا في السَّبْتِ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ [١٥٤]
﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾ أيِ: الجَبَلَ لِيَتَحَمَّلُوا التَّكْلِيفَ ﴿بِمِيثاقِهِمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أخْذِ مِيثاقِهِمْ؛ لِيَخافُوا فَلا يَنْقُضُوهُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وذَلِكَ حِينَ امْتَنَعُوا مِنَ الِالتِزامِ بِأحْكامِ التَّوْراةِ، وظَهَرَ مِنهم إباءٌ عَلى ما جاءَهم بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- رَفَعَ اللَّهُ عَلى رُءُوسِهِمْ جَبَلًا، ثُمَّ أُلْزِمُوا فالتَزَمُوا وسَجَدُوا، وجَعَلُوا يَنْظُرُونَ إلى ما فَوْقَ رُءُوسِهِمْ؛ خَشْيَةَ أنْ يَسْقُطَ عَلَيْهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ وظَنُّوا أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٧١] [الأعْرافِ: ١٧١] الآيَةَ.
﴿وقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾ أيِ: ادْخُلُوا بابَ إيلِياءَ مُطَأْطِئِينَ - عِنْدَ الدُّخُولِ - رُءُوسَكُمْ، فَخالَفُوا ما أُمِرُوا بِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ إيضاحُ هَذِهِ الآياتِ مُفَصَّلًا.
﴿وقُلْنا لَهم لا تَعْدُوا في السَّبْتِ﴾ أيْ: وصَّيْناهم بِحِفْظِ السَّبْتِ والتِزامِ ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مادامَ مَشْرُوعًا لَهم.
﴿وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ أيْ: عَهْدًا شَدِيدًا، فَخالَفُوا وعَصَوْا وتَحَيَّلُوا عَلى ارْتِكابِ ما حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، كَما هو مَبْسُوطٌ في سُورَةِ الأعْرافِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] [الأعْرافِ: ١٦٣] (p-١٦٣٥)الآياتِ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما أوْجَبَ لَعْنَهم وطَرْدَهم ومَسْخَهم مِن مُخالَفَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: