محاسن التأويل — القاسمي
وَسَارِعُوٓا۟ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴿١٣٣﴾
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٣٣ ] ﴿وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾
﴿وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ﴾ أيْ: إلى ما يُؤَدِّي إلَيْهِما مِنَ الِاسْتِغْفارِ (p-٩٧٣)والتَّوْبَةِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ﴾ أيْ: كَعَرْضِهِما، كَما قالَ في سُورَةِ الحَدِيدِ: ﴿سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الحديد: ٢١] وفي العَرْضِ وجْهانِ:
اَلْأوَّلُ: أنَّهُ عَلى حَقِيقَتِهِ. وتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى اتِّساعِ طُولِها، فَإنَّ العَرْضَ في العادَةِ أدْنى مِنَ الطُّولِ، كَما قالَ تَعالى في صِفَةِ فُرُشِ الجَنَّةِ: ﴿بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] أيْ: فَما ظَنُّكَ بِظاهِرِها ؟ فَكَذا هُنا.
والثّانِي: أنَّهُ مَجازٌ عَنْ السِّعَةِ والبَسْطَةِ. قالَ القَفّالُ: لَيْسَ المُرادُ بِالعَرْضِ هَهُنا ما هو خِلافُ الطُّولِ، بَلْ هو عِبارَةٌ عَنْ السِّعَةِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: بِلادٌ عَرِيضَةٌ، ويُقالُ: هَذِهِ دَعْوى عَرِيضَةٌ أيْ: واسِعَةٌ عَظِيمَةٌ. والأصْلُ فِيهِ: أنَّ ما اتَّسَعَ عَرْضُهُ لَمْ يَضِقْ وما ضاقَ عَرْضُهُ دَقَّ، فَجُعِلَ العَرْضُ كِنايَةً عَنْ السِّعَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ وصْفُها بِالسِّعَةِ والبَسْطَةِ. فَشُبِّهَتْ بِأوْسَعِ ما عَلِمَهُ النّاسُ مِن خَلْقِهِ تَعالى وأبْسَطِهِ. واَللَّهُ أعْلَمُ ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾