محاسن التأويل — القاسمي
مُسْتَكْبِرِينَ بِهِۦ سَـٰمِرًا تَهْجُرُونَ ﴿٦٧﴾
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٥ - ٦٧] ﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٦] ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧] .
﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ﴾ أيْ: يُقالُ لَهم تَبْكِيتًا لَهم: لا تَجْأرُوا، فَإنَّ الجُؤارَ غَيْرُ نافِعٍ لَكم: ﴿إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٦] أيْ: تُعْرِضُونَ عَنْ سَماعِها أشَدَّ الإعْراضِ: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ [المؤمنون: ٦٧] أيْ: بِالبَيْتِ الحَرامِ والَّذِي سَوَّغَ الإضْمارَ، شُهْرَتُهم بِالِاسْتِكْبارِ بِهِ، وأنْ لا مَفْخَرَ لَهم إلّا أنَّهم قُوّامُهُ. وجُوِّزَ تَضْمِينُ (مُسْتَكْبِرِينَ ) مَعْنى (مُكَذِّبِينَ ) والضَّمِيرُ لِلتَّنْزِيلِ الكَرِيمِ. أيْ: مُكَذِّبِينَ تَكْذِيبَ اسْتِكْبارٍ. ولَمْ يَذْكُرُوا احْتِمالَ إرْجاعِ الضَّمِيرِ (لِلنُّكُوصِ ) إشارَةً إلى زِيادَةِ عُتُوِّهِمْ، وأنَّهم يَفْتَخِرُونَ بِهَذا الإعْراضِ ولا يَرْهَبُونَ مِمّا يُنْذَرُونَ بِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولّى مُسْتَكْبِرًا﴾ [لقمان: ٧] ولَيْسَ بِبَعِيدٍ. فَتَأمَّلْ ﴿سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧] يَعْنِي أنَّهم يَسْمُرُونَ لَيْلًا بِذِكْرِ القُرْآنِ وبِالطَّعْنِ فِيهِ، وتَسْمِيَتِهِ سِحْرًا وشِعْرًا ونَحْوِ ذَلِكَ. وهو مَعْنى تَهْجُرُونَ مِنَ الهُجْرِ بِالضَّمِّ، وهو الفُحْشُ في القَوْلِ. أوْ مَعْناهُ تُعْرِضُونَ. مِنَ (الهَجْرِ ) بِالفَتْحِ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ أبُو البَقاءِ: (سامِرًا ) حالٌ أيْضًا وهو مَصْدَرٌ. كَقَوْلِهِمْ (قُمْ قائِمًا ) وقَدْ جاءَ مِنَ المَصادِرِ عَلى لَفْظِ اسْمِ الفاعِلِ نَحْوَ العاقِبَةِ والعافِيَةِ. وقِيلَ: هو واحِدٌ في مَوْضِعِ الجَمِيعِ. انْتَهى.
(p-٤٤٠٨)فَيَكُونُ واحِدًا أُقِيمَ مَقامَ الجَمْعِ. وقِيلَ هو اسْمُ جَمْعٍ كَحاجٍّ وحاضِرٍ وراكِبٍ وغائِبٍ. قالَ الشِّهابُ: وعَلى كَوْنِهِ مَصْدَرًا فَيَشْمَلُ القَلِيلَ والكَثِيرَ أيْضًا، بِاعْتِبارِ أصْلِهِ. ولَكِنَّ مَجِيءَ المَصْدَرِ عَلى وزْنِ (فاعِلٍ ) نادِرٌ. وقُرِئَ (سُمَّرًا ) بِضَمٍّ وتَشْدِيدٍ. (سُمّارٌ ) بِزِيادَةِ ألِفٍ.