محاسن التأويل — القاسمي
ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ﴿١٤٧﴾
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٤٧ ] ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾
"الحَقُّ مِن رَبِّكَ" أيِ الحَقُّ مِنَ اللَّهِ، لا مِن غَيْرِهِ. يَعْنِي أنَّ الحَقَّ ما ثَبَتَ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ، كالَّذِي أنْتَ عَلَيْهِ. وما لَمْ يَثْبُتْ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ، كالَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ الكِتابِ، فَهو الباطِلُ. أيْ: (p-٣٠٦)هَذا الَّذِي يَكْتُمُونَهُ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ. وقَرَأ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "الحَقَّ"، بِالنَّصْبِ عَلى الإبْدالِ مِنَ الأوَّلِ، كَما في الكَشّافِ. أوِ المَفْعُولِيَّةِ لِـ "يَعْلَمُونَ" . كَما قالَهُ أبُو البَقاءِ. "فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ" الشّاكِّينَ في كِتْمانِهِمُ الحَقَّ مَعَ عِلْمِهِمْ، أوْ في الحَقِّ الَّذِي جاءَكَ مِن رَبِّكَ، وهو ما أنْتَ عَلَيْهِ. ومَعْلُومٌ أنَّ الشَّكَّ غَيْرُ مُتَوَقَّعٍ مِنهُ. فَفِيهِ تَعْرِيضٌ لِلْأُمَّةِ. وقالَ الرّاغِبُ: لَيْسَ هَذا بِنَهْيٍ عَنِ الشَّكِّ لِأنَّهُ لا يَكُونُ بِقَصْدٍ مِنَ الشّاكِّ، بَلْ هو حَثٌّ عَلى اكْتِسابِ المَعارِفِ المُزِيلَةِ لِلشَّكِّ واسْتِعْمالِها. وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦]