محاسن التأويل — القاسمي
فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْا۟ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُۥ ۖ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ﴿٧٧﴾
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٧] ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أهْلَها فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ فَأقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ .
﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ﴾ اخْتُلِفَ في تَسْمِيَتِها.
قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في (الفَتْحِ): الخِلافُ فِيها كالخِلافِ في مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ. ولا يُوثَقُ بِشَيْءٍ مِنهُ: ﴿اسْتَطْعَما أهْلَها فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما﴾ أيِ: امْتَنَعُوا مِن أنْ يُطْعِمُوهُما الطَّعامَ الَّذِي هو حَقُّ ضِيافَتِهِما عَلَيْهِمْ. وقُرِئَ: ((يُضِيفُوهُما)) مِنَ الإضافَةِ. يُقالُ: ضافَهُ إذا نَزَلَ بِهِ، وأضافَهُ وضَيَّفَهُ: أنْزَلَهُ لِيُطْعِمَهُ في مَنزِلِهِ، عَلى وجْهِ الإكْرامِ: ﴿فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ أيْ: يَنْهَدِمَ بِقُرْبٍ. مِنِ (انْقَضَّ الطّائِرُ) إذا أسْرَعَ سُقُوطَهُ. والإرادَةُ مُسْتَعارَةٌ لِلْمُداناةِ والمُشارَفَةِ. لِما فِيهِما مِنَ المَيْلِ. اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ أوْ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ، أوْ هي مَجازٌ لُغَوِيٌّ مُرْسَلٌ بِعَلاقَةِ سَبَبِ الإرادَةِ، لِقُرْبِ الوُقُوعِ.
وقَدْ أوْسَعَ الزَّمَخْشَرِيُّ، عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ مِنَ الشَّواهِدِ عَلى مِثْلِ هَذا المَجازِ. فانْظُرْهُ: ﴿فَأقامَهُ﴾ أيْ: عَمَّرَهُ وأصْلَحَهُ ﴿قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ أيْ: لَوْ طَلَبْتَ عَلى عَمَلِكَ جُعْلًا حَتّى تَنْتَعِشَ بِهِ. فَفِيهِ لَوْمٌ عَلى تَرْكِ الأُجْرَةِ، مَعَ مَسِيسِ الحاجَةِ إلَيْها.