محاسن التأويل — القاسمي
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَـٰتِ سُبْحَـٰنَهُۥ ۙ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ ﴿٥٧﴾
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى مِن مَثالِبِ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ:
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٦-٥٧] ﴿ويَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهم تاللَّهِ لَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧] .
﴿ويَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لِآلِهَتِهِمُ الَّتِي لا عِلْمَ لَها؛ لِأنَّها جَمادٌ: ﴿نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ أيْ: مِنَ الزَّرْعِ والأنْعامِ وغَيْرِهِما تَقَرُّبًا إلَيْها: ﴿تاللَّهِ لَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ أيْ: مِن أنَّها آلِهَةٌ يُتَقَرَّبُ إلَيْها. ومَرَّ نَظِيرُ الآيَةِ في سُورَةِ الأنْعامِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦] الآيَةَ، فانْظُرْ تَفْصِيلَها ثَمَّةَ.
﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧] هَذا بَيانٌ لِعَظِيمَةٍ مِن عَظائِمِهِمْ، وهو جَعْلُهُمُ المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عَبّادُ الرَّحْمَنِ بَناتٍ لِلَّهِ، فَنَسَبُوا لَهُ تَعالى ولَدًا ولا ولَدَ لَهُ. واجْتَرَءُوا عَلى التَّفَوُّهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وعَلى نِسْبَةِ أدْنى القِسْمَيْنِ لَهُ مِنَ الأوْلادِ، وهو البَناتُ، وهم لا يَرْضَوْنَها لِأنْفُسِهِمْ؛ لِأنَّهم يَشْتَهُونَ الذُّكُورَ، أيْ: يَخْتارُونَهم لِأنْفُسِهِمْ ويَأْنَفُونَ مِنَ البَناتِ. وقَدْ نَزَّهَ مَقامَهُ الأقْدَسَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ﴾ [النحل: ٥٧] أيْ: عَنْ إفْكِهِمْ وقَوْلِهِمْ. وفِيهِ تَعَجُّبٌ مِن جَراءَتِهِمْ عَلى التَّفَوُّهِ بِهَذا المُنْكَرِ مِنَ القَوْلِ، ومِن مُقاسَمَتِهِمْ لِجَلالِهِ بِالِاسْتِئْثارِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ [النجم: ٢١] ﴿تِلْكَ إذًا (p-٣٨١٩)قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢٢] وقالَ تَعالى: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: ١٥١] ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥٢] ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ [الصافات: ١٥٣] ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات: ١٥٤] ثُمَّ أشارَ إلى شِدَّةِ كَراهَتِهِمْ لِلْإناثِ، بِما يُمَثِّلُ عِظَمَ تِلْكَ النِّسْبَةِ إلى الجَنابِ الأقْدَسِ وفَظاعَتِها، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: