زاد المسير — ابن الجوزي
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ﴿٧٣﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ أمّا جِهادُ الكُفّارِ، فَبِالسَّيْفِ. وفي جِهادِ المُنافِقِينَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ بِاللِّسانِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
والثّانِي: جِهادُهم بِإقامَةِ الحُدُودِ عَلَيْهِمْ، رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.
(p-٤٧٠)فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أمَرَ بِجِهادِهِمْ وهو يَعْلَمُ أعْيانَهم، فَكَيْفَ تَرَكَهم بَيْنَ أظْهُرِ أصْحابِهِ فَلَمْ يَقْتُلْهُمْ؟
فالجَوابُ: أنَّهُ إنَّما أمَرَ بِقِتالِ مَن أظْهَرَ كَلِمَةَ الكُفْرِ وأقامَ عَلَيْها، فَأمّا مَن إذا اطَّلَعَ عَلى كُفْرِهِ، أنْكَرَ وحَلَفَ وقالَ: إنِّي مُسْلِمٌ، فَإنَّهُ أمَرَ أنْ يَأْخُذَهُ بِظاهِرِ أمْرِهِ، ولا يُبْحَثُ عَنْ سِرِّهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ شِدَّةَ الِانْتِهارِ لَهم، والنَّظَرِ بِالبُغْضَةِ والمَقْتِ. وفي الهاءِ والمِيمِ مِن "عَلَيْهِمْ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ يَرْجِعُ إلى الفَرِيقَيْنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: إلى المُنافِقِينَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.