×
التوبةالآية ٧١

زاد المسير — ابن الجوزي

وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿٧١﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أيْ: بَعْضُهم يُوالِي بَعْضًا، فَهم يَدٌ واحِدَةٌ، يَأْمُرُونَ بِالإيمانِ، ويَنْهَوْنَ عَنِ الكُفْرِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: في جَنّاتِ خُلْدٍ، يُقالُ: عَدَنَ فُلانٌ بِأرْضِ كَذا، أيْ: أقامَ؛ ومِنهُ: المَعْدِنُ، وهو في مَعْدِنِ صِدْقٍ، أيْ: في أصْلٍ ثابِتٍ. قالَ الأعْشى: ؎ وإنْ تَسْتَضِيفُوا إلى حِلْمِهِ تُضافُوا إلى راجِحٍ قَدْ عَدَنَ (p-٤٦٩)أيْ: رَزِينٍ لا يَسْتَخِفُّ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَنّاتُ عَدْنٍ، هي بُطْنانُ الجَنَّةِ، وبُطْنانُها: وسَطُها، وهي أعْلى دَرَجَةٍ في الجَنَّةِ، وهي دارُ الرَّحْمَنِ عَزَّ وجَلَّ، وسَقْفُها عَرْشُهُ، خَلَقَها بِيَدِهِ، وفِيها عَيْنُ التَّسْنِيمِ، والجِنانُ حَوْلَها مُحْدِقَةٌ بِها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أكْبَرُ مِمّا يُوصَفُ. وقالَ الزَّجّاجُ: أكْبَرُ مِمّا هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ. فَإنْ قِيلَ: لَمْ يَكُنِ الرِّضْوانُ أكْبَرَ مِنَ النَّعِيمِ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ. أحَدُهُما: أنَّ سُرُورَ القَلْبِ بِرِضى الرَّبِّ نَعِيمٌ يَخْتَصُّ بِالقَلْبِ، وذاكَ أكْبَرُ مِن نَعِيمِ الأكْلِ والشُّرْبِ. وفي حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِأهْلِ الجَنَّةِ: يا أهْلَ الجَنَّةِ، هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: رَبَّنا وما لَنا لا نَرْضى، وقَدْ أعْطَيْتَنا ما لَمْ تُعْطِ أحَدًا مِن خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: أفَلا أُعْطِيكم أفْضَلَ مِن ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: وأيُّ شَيْءٍ أفْضَلُ مِن ذَلِكَ؟ قالَ: أُحِلُّ عَلَيْكم رِضْوانِي، فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم أبَدًا"» والثّانِي: أنَّ المُوجِبَ لِلنَّعِيمِ الرِّضْوانُ، والمُوجَبُ ثَمَرَةُ المُوجِبِ، فَهو الأصْلُ.