زاد المسير — ابن الجوزي
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَكُونُوا۟ مَعَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ﴿١١٩﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في قِصَّةِ الثَّلاثَةِ المُتَخَلِّفِينَ. (p-٥١٤)والثّانِي: أنَّها في أهْلِ الكِتابِ. والمَعْنى: يا أيُّها الَّذِينَ آَمَنُوا بِمُوسى وعِيسى اتَّقُوا اللَّهَ في إيمانِكم بِمُحَمَّدٍ ﷺ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ.
وَفِي المُرادِ بِالصّادِقِينَ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.
والثّانِي: أبُو بَكْرٍ وعُمَرَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ. وقَدْ قَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، ومُعاذٌ القارِئُ: "مَعَ الصّادِقِينَ" بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ النُّونِ عَلى التَّثْنِيَةِ.
والثّالِثُ: أنَّهُمُ الثَّلاثَةُ الَّذِينَ خُلِّفُوا صَدَقُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ تَأخُّرِهِمْ قالَهُ السُّدِّيُّ.
والرّابِعُ: أنَّهُمُ المُهاجِرُونَ، لِأنَّهم لَمْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الجِهادِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: وقِيلَ: إنَّ أبا بَكْرٍ الصَّدِيقَ احْتَجَّ بِهَذِهِ الآَيَةِ يَوْمَ السَّقِيفَةِ، فَقالَ: يا مَعْشَرَ الأنْصارِ، إنَّ اللَّهَ يَقُولُ في كِتابِهِ: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ [الحَشْرُ:٨] مَن هُمْ؟ قالَتِ الأنْصارُ: أنْتُمْ هم. قالَ: فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ فَأمَرَكم أنْ تَكُونُوا مَعَنا، ولَمْ يَأْمُرْنا أنْ نَكُونَ مَعَكُمْ، فَنَحْنُ الأُمَراءُ وأنْتُمُ الوُزَراءُ.
والخامِسُ: أنَّهُ عامٌّ، قالَهُ قَتادَةُ. "وَمَعَ" بِمَعْنى "مِن" وكَذَلِكَ هي في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: وكُونُوا مِنَ الصّادِقِينَ" .