×
الأنفالالآية ٤٤

زاد المسير — ابن الجوزي

وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِىٓ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِىٓ أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِىَ ٱللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ۗ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ ﴿٤٤﴾

(p-٣٦٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: صَدَقَ اللَّهُ رُؤْيا رَسُولِهِ الَّتِي أخْبَرَ بِها المُؤْمِنِينَ عَنْ قِلَّةٍ عَدُوِّهِمْ قَبْلَ لِقائِهِمْ، بِأنَّ قَلَّلَهم وقْتَ اللِّقاءِ في أعْيُنِهِمْ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَقَدْ قَلُّوا في أعْيُنِنا، حَتّى قُلْتُ لِرَجُلٍ إلى جانِبِي: أتَراهم سَبْعِينَ؟ قالَ أراهم مِائَةً؛ حَتّى أخَذْنا رَجُلًا مِنهم، فَسَألْناهُ، فَقالَ: كُنّا ألْفًا. قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: اسْتَقَلَّ المُسْلِمُونَ المُشْرِكِينَ، والمُشْرِكُونَ المُسْلِمِينَ، فاجْتَرَأ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ. فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ تَكْرِيرِ الرُّؤْيَةِ هاهُنا، وقَدْ ذُكِرَتْ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ. أحَدُهُما: أنَّ الأُولى كانَتْ في المَنامِ، والثّانِيَةَ في اليَقَظَةِ. والثّانِي: أنَّ الأُولى لَلنَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً، والثّانِيَةَ لَهُ ولِأصْحابِهِ: فَإنْ قِيلَ: تَكْثِيرُ المُؤْمِنِينَ في أعْيُنِ الكافِرِينَ أوْلى، لِمَكانِ إعْزازِهِمْ. فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ. أحَدُها: أنَّهم لَوْ كَثُرُوا في أعْيُنِهِمْ، لَمْ يُقْدُمُوا عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَكُنْ قِتالٌ؛ والقِتالُ سَبَبُ النَّصْرِ، فَقَلَّلَهم لِذَلِكَ. والثّانِي: أنَّهُ قَلَّلَهم لِئَلّا يَتَأهَّبَ المُشْرِكُونَ كُلَّ التَّأهُّبِ؛ فَإذا تَحَقَّقَ القِتالُ، وجَدَهُمُ المُسْلِمُونَ غَيْرَ مُسْتَعِدِّينَ، فَظَفِرُوا بِهِمْ. والثّالِثُ: أنَّهُ قَلَّلَهم لَيَحْمِلَ الأعْداءُ عَلَيْهِمْ في كَثْرَتِهِمْ، فَيَغْلِبُهُمُ المُسْلِمُونَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ آَيَةً لَلْمُشْرِكِينَ ومُنَبِّهًا عَلى نُصْرَةِ الحَقِّ.