×
الأنفالالآية ٣٧

زاد المسير — ابن الجوزي

لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ ٱلْخَبِيثَ بَعْضَهُۥ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُۥ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُۥ فِى جَهَنَّمَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ ﴿٣٧﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، "لِيَمِيزَ" خَفِيفَةً. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "لِيُمَيِّزَ" بِالتَّشْدِيدِ وهُما لُغَتانِ: مِزْتُهُ ومَيَّزْتُهُ. وفي لامِ "لِيُمَيِّزَ" قَوْلانِ. (p-٣٥٦)أحَدُهُما: أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: "فَسَيُنْفِقُونَها" قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. والثّانِي: أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: "إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ"، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ. وفي مَعْنى الآَيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: لَيُمَيِّزَ أهْلَ السَّعادَةِ مِن أهْلِ الشَّقاءِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ: يُمَيِّزُ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ. والثّانِي: لَيُمَيِّزَ العَمَلَ الطَّيِّبَ مِنَ العَمَلِ الخَبِيثِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: لَيُمَيِّزَ الإنْفاقَ الطَّيِّبَ في سَبِيلِهِ، مِنَ الإنْفاقِ الخَبِيثِ في سَبِيلِ الشَّيْطانِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، والزَّجّاجُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ﴾ أيْ: يَجْمَعُ بَعْضَهُ فَوْقَ بَعْضٍ، وهو قَوْلُهُ: فَيَرْكُمُهُ قالَ الزَّجّاجُ: الرُّكَمُ: أنْ يَجْعَلَ بَعْضَ الشَّيْءِ عَلى بَعْضٍ، يُقالُ: رَكَمْتُ الشَّيْءَ أرَكُمُهُ رَكْمًا؛ والرُّكامُ: الِاسْمُ؛ فَمَن قالَ: المُرادُ بِالخَبِيثِ: الكُفّارُ، فَإنَّهم في النّارِ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ؛ ومَن قالَ: أمْوالُهم، فَلَهُ في ذَلِكَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها أُلْقِيَتْ في النّارِ لَيُعَذِّبَ بِها أرْبابَها، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ:٣٥] . والثّانِي: أنَّهم لَمّا عَظَّمُوها في الدُّنْيا، أراهم هَوانَها بِإلْقائِها في النّارِ كَما تُلْقى الشَّمْسُ والقَمَرُ في النّارِ، لَيَرى مَن عَبْدَهُما ذُلَّهُما.