زاد المسير — ابن الجوزي
وَنَادَىٰٓ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ۖ قَالُوا۟ نَعَمْ ۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌۢ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿٤٤﴾
(p-٢٠٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا﴾ أيْ: مِنَ العَذابِ؟ وهَذا سُؤالُ تَقْرِيرٍ وتَعْيِيرٍ. ﴿قالُوا نَعَمْ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ العَيْنِ في سائِرِ القُرْآَنِ، وكانَ الكِسائِيُّ يَكْسِرُها. قالَ الأخْفَشُ: هُما لُغَتانِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: نادى مُنادٍ. ﴿أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ قُنْبُلٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، "أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ" خَفِيفَةَ النُّونِ ساكِنَةً. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أنْ" بِالتَّشْدِيدِ، "لَعْنَةَ اللَّهِ" بِالنَّصْبِ. قالَ الأخْفَشُ: "وَأنْ" في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ﴾ [الأعْرافِ: ٤٣] وقَوْلُهُ: ﴿أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾، وقَوْلُهُ: أنْ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [يُونُسَ:١٠]، و: ﴿أنْ قَدْ وجَدْنا﴾، هي أنَّ الثَّقِيلَةَ خُفِّفَتْ.
قالَ الشّاعِرُ:
فِي فِتْيَةٍ
؎ كَسُيُوفِ الهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا أنْ هالِكٌ كُلُّ مَن يَحْفى ويَنْتَعِلُ
(p-٢٠٤)وَأنْشَدَ أيْضًا:
؎ أكاشِرَةٌ وأعْلَمُ أنَّ كِلانا ∗∗∗ عَلى ما ساءَ صاحِبُهُ حَرِيصُ
وَمَعْناهُ: أنَّهُ كِلانا؛ وتَكُونُ ﴿أنْ قَدْ وجَدْنا﴾ في مَعْنى: أيْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والظّالِمُونَ هاهُنا: الكافِرُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: أذَّنَ المُؤَذِّنُ أنْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وهو الإسْلامُ. ﴿وَيَبْغُونَها عِوَجًا﴾ مُفَسَّرٌ في [آَلِ عِمْرانَ:٩٩] . ﴿وَهم بِالآخِرَةِ﴾ أيْ: وهم بِكَوْنِ الآَخِرَةِ كافِرُونَ.