زاد المسير — ابن الجوزي
وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ﴿١٨٢﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هم أهْلُ مَكَّةَ. وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في المُسْتَهْزِئِينَ مِن قُرَيْشٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ قالَ الخَلِيلُ ابْنُ أحْمَدَ: سَنَطْوِي أعْمارَهم في اغْتِرارٍ (p-٢٩٥)مِنهم. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الِاسْتِدْراجُ: أنْ يَتَدَرَّجَ إلى الشَّيْءِ في خِفْيَةٍ قَلِيلًا قَلِيلًا ولا يَهْجُمُ عَلَيْهِ، وأصْلُهُ مِنَ الدَّرَجَةِ، وذَلِكَ أنَ الرّاقِي والنّازِلُ يَرْقى ويَنْزِلُ مَرْقاةً مَرْقاةً؛ ومِنهُ: دَرَجَ الكِتابُ: إذا طَواهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ؛ ودَرَجَ القَوْمُ: إذا ماتُوا بَعْضَهم في أثَرِ بَعْضٍ. وقالَ اليَزِيدِيُّ: الِاسْتِدْراجُ: أنْ يَأْتِيَهُ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو أنْ يُذِيقَهم مِن بَأْسِهِ قَلِيلًا قَلِيلًا مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، ولا يُباغِتُهم بِهِ ولا يُجاهِرُهم. وقالَ الأزْهَرِيُّ: سَنَأْخُذُهم قَلِيلًا قَلِيلًا مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ؛ وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَفْتَحُ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ ما يَغْتَبِطُهم بِهِ ويَرْكَنُونَ إلَيْهِ، ثُمَّ يَأْخُذُهم عَلى غِرَّتِهِمْ أغْفَلَ ما يَكُونُونَ. قالَ الضَّحّاكُ: كُلَّما جَدَّدُوا لَنا مَعْصِيَةً جَدَّدْنا لَهم نِعْمَةً.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: مِن حَيْثُ لا يُعْلِمُونَ بِالِاسْتِدْراجِ. والثّانِي: بِالهَلَكَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ الإمْلاءُ: الإمْهالُ والتَّأْخِيرُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ مَكْرِي شَدِيدٌ. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الكَيْدُ: المَكْرُ؛ فَكُلُّ شَيْءٍ عالَجْتَهُ فَأنْتَ تَكِيدُهُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: مَكْرُ اللَّهِ وكَيْدُهُ: مُجازاةُ أهْلِ المَكْرِ والكَيْدِ عَلى نَحْوِ ما بَيَّنّا في سُورَةِ [البَقَرَةِ:١٥] و[آَلِ عِمْرانَ:٥٤] مِن ذَكْرِ الِاسْتِهْزاءِ والخِداعِ والمَكْرِ.