زاد المسير — ابن الجوزي
قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ ﴿٦٤﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ: " قُلْ مَن يُنَجِّيكم قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ" مُشَدَّدَيْنِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ، والقَزّازُ عَنْ عَبْدِ الوارِثِ: بِسُكُونِ النُّونِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ. قالَ الزَّجّاجُ: والمُشَدَّدَةُ أجْوَدُ لَلْكَثْرَةِ. وظُلُماتُ البَرِّ والبَحْرِ: شَدائِدُها؛ والعَرَبُ تَقُولُ لَلْيَوْمِ الَّذِي تَلْقى فِيهِ شِدَّةً يَوْمٌ مُظْلِمٌ، حَتّى إنَّهم يَقُولُونَ: يَوْمٌ ذُو كَواكِبَ، أيْ: قَدِ اشْتَدَّتْ ظُلْمَتُهُ حَتّى صارَ كاللَّيْلِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ فَدى لِبَنِي ذُهَلِ بْنِ شَيَّبانَ ناقَتِي إذا كانَ يَوْمًا ذا كَواكِبَ أشَنْعا
(p-٥٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا﴾ أيْ مُظْهِرِينَ الضَّراعَةَ، وهي شِدَّةُ الفَقْرِ إلى الشَّيْءِ، والحاجَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخُفْيَةً﴾ قَرَأ عاصِمٌ إلّا حَفْصًا: "وَخُفْيَةً" بِكَسْرِ الخاءِ؛ وكَذَلِكَ في [الأعْرافِ] . وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ الخاءِ، وهُما لُغَتانِ. قالَ الفَرّاءُ: وفِيها لُغَةٌ أُخْرى بِالواوِ، ولا تَصْلُحُ في القِراءَةِ، خِفْوَةً، وخَفْوَةً. ومَعْنى الكَلامِ، أنَّكم تَدْعُونَهُ في أنْفُسِكم، كَما تَدْعُونَهُ ظاهِرًا: "لَئِنْ أنْجَيْتَنا" كَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "لَئِنْ أنْجَيْتَنا" وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "لَئِنْ أنْجانا" بِألْفٍ، لِمَكانِ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ: "تَدْعُونَهُ" . وكانَ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: وخَلْفٌ يُمِيلُونَ الجِيمَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن هَذِهِ﴾ يَعْنِي: في أيِّ شِدَّةٍ وقَعْتُمْ، قُلْتُمْ: "لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ" . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: و"الشّاكِرُونَ" هاهُنا: المُؤْمِنُونَ. وكانَتْ قُرَيْشٌ تُسافِرُ في البَرِّ والبَحْرِ، فَإذا ضَلُّوا الطَّرِيقَ وخافُوا الهَلاكَ، دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ، فَأنْجاهم. فَأمّا "الكَرْبُ" فَهو الغَمُّ الَّذِي يَأْخُذُ بِالنَّفْسِ، ومِنهُ اشْتُقَّتِ الكُرْبَةُ.