×
الأنعامالآية ٦١

زاد المسير — ابن الجوزي

وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِۦ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ ﴿٦١﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً﴾ الحَفَظَةُ: المَلائِكَةُ، وأحَدُهُما: حافِظٌ، والجَمْعُ: حَفَظَةٌ، مِثْلَ كاتِبٍ وكَتَبَةٌ، وفاعِلٌ وفَعَلَةٌ. وفِيما يَحْفَظُونَهُ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أعْمالُ بَنِي آَدَمَ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أعْمالُهم وأجْسادُهم، قالَهُ السُّدِّيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ: "تُوَفّاهُ رُسْلُنا" وحُجَّتُهُ أنَّهُ فِعْلٌ مُسْنَدٌ إلى مُؤَنَّثٍ غَيْرِ حَقِيقِيٍّ، وإنَّما التَّأْنِيثُ لَلْجَمْعِ، فَهو مِثْلُ: ﴿وَقالَ نِسْوَةٌ﴾ [يُوسُفَ:٣٠] . وفي المُرادِ بِالرُّسُلِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها أنَّهم أعْوانُ مَلَكُ المَوْتِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقالَ النَّخَعِيُّ: أعْوانُهُ يَتَوَفَّوْنَ النُّفُوسَ، وهو يَأْخُذُها مِنهم. (p-٥٦)والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالرُّسُلِ: مَلَكُ المَوْتِ وحْدَهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: أنَّهُمُ الحَفَظَةُ، قالَهُ الزَّجّاجُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم لا يُفَرِّطُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يَضِيعُونَ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾، [السَّجْدَةِ:١١ ] فَعَنْهُ جَوابانِ أحَدُهُما: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالرُّسُلِ مَلَكُ المَوْتِ وحْدَهُ، وقَدْ يَقَعُ الجَمْعُ عَلى الواحِدِ. والثّانِي: أنَّ أعْوانَ مَلَكِ المَوْتِ يَفْعَلُونَ بِأمْرِهِ، فَأُضِيفَ الكُلُّ إلى فِعْلِهِ. وَقِيلَ: تُوُفِّيَ أعْوانُ مَلَكِ المَوْتِ بِالنَّزْعِ، وتُوُفِّيَ مَلَكُ المَوْتِ بِأنْ يَأْمُرَ الأرْواحَ فَتُجِيبُ، ويَدْعُوها فَتَخْرُجُ، وتَوَفِّي اللَّهَ تَعالى بِأنْ يَخْلُقَ المَوْتَ في المَيِّتِ.