×
الذارياتالآية ٤٩

زاد المسير — ابن الجوزي

وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿٤٩﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفِي عادٍ﴾ أيْ: في إهْلاكِهِمْ آيَةٌ أيْضًا ﴿إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ﴾ وهي الَّتِي لا خَيْرَ فِيها ولا بِرْكَةَ، لا تُلْقِحُ شَجَرًا ولا تَحْمِلُ مَطَرًا، وإنَّما هي لِلْإهْلاكِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: هي الجَنُوبُ. ﴿ما تَذَرُ مِن شَيْءٍ أتَتْ عَلَيْهِ﴾ أيْ: مِن أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ ﴿إلا جَعَلَتْهُ كالرَّمِيمِ﴾ أيْ: كالشَّيْءِ الهالِكِ البالِي. قالَ الفَرّاءُ: الرَّمِيمُ: نَباتُ الأرْضِ إذا يَبِسَ ودِيسَ. وقالَ الزَّجّاجُ: الرَّمِيمُ: الوَرَقُ الجافُّ المُتَحَطِّمُ مِثْلُ الهَشِيمِ. ﴿وَفِي ثَمُودَ﴾ آيَةٌ أيْضًا ﴿إذْ قِيلَ لَهم تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: تَمَتَّعُوا في الدُّنْيا إلى وقْتِ انْقِضاءِ آجالِكم تَهَدُّدًا لَهم. والثّانِي: أنَّ صالِحًا قالَ لَهم بَعْدَ عَقْرِ النّاقَةِ: تَمَتَّعُوا ثَلاثَةَ أيّامٍ؛ فَكانَ الحِينُ وقْتَ فَناءِ آجالِهِمْ، ﴿فَعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: عَصَوْا أمْرَهُ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ﴾ يَعْنِي: العَذابَ، وهو المَوْتُ مِن صَيْحَةِ جِبْرِيلَ. (p-٤٠)وَقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "الصَّعْقَةُ" [بِسُكُونِ العَيْنِ مِن غَيْرِ ألِفٍ]؛ وهي الصَّوْتُ الَّذِي يَكُونُ عَنِ الصّاعِقَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم يَنْظُرُونَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: يَرَوْنَ ذَلِكَ عِيانًا. والثّانِي: وهم يَنْتَظِرُونَ العَذابَ، فَأتاهم صَيْحَةٌ يَوْمَ السَّبْتِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما اسْتَطاعُوا مِن قِيامٍ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: ما اسْتَطاعُوا نُهُوضًا مِن تِلْكَ الصَّرْعَةِ. والثّانِي: ما أطاقُوا ثُبُوتًا لِعَذابِ اللَّهِ ﴿وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ أيْ: مُمْتَنِعِينَ مِنَ العَذابِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو إلّا عَبْدَ الوارِثِ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِخَفْضِ المِيمِ، ورَوى عَبْدُ الوارِثِ، رَفْعَ المِيمِ، والباقُونَ بِنَصْبِها. قالَ الزَّجّاجُ: مَن خَفَضَ القَوْمَ فالمَعْنى: وفي قَوْمِ نُوحٍ آيَةٌ، ومَن نَصَبَ فَهو عَطْفٌ عَلى مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ﴾ فَإنَّ مَعْناهُ: أهْلَكْناهُمْ، فَيَكُونُ المَعْنى: وأهْلَكَنا قَوْمَ نُوحٍ، والأحْسَنُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ﴾ لِأنَّ المَعْنى: أغْرَقْناهُ، وأغْرَقْنا قَوْمَ نُوحٍ. ﴿والسَّماءَ بَنَيْناها﴾ المَعْنى: وبَنَيْنا السَّماءَ بَنَيْناها (بِأيْدٍ) أيْ: بِقُوَّةٍ، وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وسائِرُ المُفَسِّرِينَ واللُّغَوِيِّينَ: ﴿بِأيْدٍ﴾ أيْ: بِقُوَّةٍ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَإنّا لَمُوسِعُونَ﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ. (p-٤١)أحَدُها: لَمُوسِعُونَ الرِّزْقَ بِالمَطَرِ، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي لَمُوسِعُونَ السَّماءَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّالِثُ: لَقادِرُونَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. والرّابِعُ: لَمُوسِعُونَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. والخامِسُ: لَذُو سَعَةٍ لا يَضِيقُ عَمّا يُرِيدُ حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَرَشْناها﴾، فالمَعْنى فَرَشْنا الأرْضَ فَرَشْناها ﴿فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ أيْ: فَنِعْمَ الماهِدُونَ نَحْنُ. قالَ مُقاتِلٌ: ﴿فَرَشْناها﴾ أيْ: بَسَطْناها مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وهَذا بَعِيدٌ، وقَدْ قالَ قَتادَةُ: الأرْضُ عِشْرُونَ ألْفَ فَرْسَخٍ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾ أيْ: صِنْفَيْنِ ونَوْعَيْنِ كالذَّكَرِ والأُنْثى، والبَرِّ والبَحْرِ واللَّيْلِ والنَّهارِ، والحُلْوِ والمُرِّ، والنُّورِ والظُّلْمَةِ، وأشْباهِ ذَلِكَ ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ فَتَعْلَمُوا أنَّ خالِقَ الأزْواجِ واحِدٌ. ﴿فَفِرُّوا إلى اللَّهِ﴾ بِالتَّوْبَةِ مِن ذُنُوبِكُمْ؛ والمَعْنى: اهْرَبُوا مِمّا يُوجِبُ العِقابَ مِنَ الكُفْرِ والعِصْيانِ إلى ما يُوجِبُ الثَّوابَ مِنَ الطّاعَةِ والإيمانِ.