زاد المسير — ابن الجوزي
وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِىَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِىٓ أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَـٰهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ ﴿١٣﴾
(p-٣٩٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ﴾ أيْ: تَنْصُرُوا دِينَهُ ورَسُولَهُ ﴿يَنْصُرْكُمْ﴾ عَلى عَدُوِّكم ﴿وَيُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ﴾ عِنْدَ القِتالِ. ورَوى المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: "وَيُثْبِتُ" بِالتَّخْفِيفِ.
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: فَأتْعَسَهُمُ اللَّهُ: والدُّعاءُ قَدْ يَجْرِي مَجْرى الأمْرِ والنَّهْيِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مِن قَوْلِكَ: تَعَسْتُ، (p-٤٠٠)أيْ: عَثَرْتُ وسَقَطْتُ. وقالَ الزَّجّاجُ: التَّعْسُ في اللُّغَةِ: الِانْحِطاطُ والعُثُورُ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الكَهْفِ: ١٠٥، يُوسُفَ: ١٠٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: أهْلَكَهُمُ [اللَّهُ] ﴿وَلِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ أيْ: أمْثالُ تِلْكَ العاقِبَةِ.
﴿ذَلِكَ﴾ الَّذِي فَعَلَهُ بِالمُؤْمِنِينَ مِنَ النَّصْرِ، وبِالكافِرِينَ مِنَ الدَّمارِ ﴿بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: ولِيُّهم.
وَما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ﴾ أيْ: أنَّ الأنْعامَ تَأْكُلُ وتَشْرَبُ، ولا تَدْرِي ما في غَدٍ، فَكَذَلِكَ الكُفّارُ لا يَلْتَفِتُونَ إلى الآخِرَةِ. و "المَثْوى": المَنزِلُ.
﴿وَكَأيِّنْ﴾ مَشْرُوحٌ في [آلِ عِمْرانَ: ١٤٦] . والمُرادُ بِقَرْيَتِهِ: مَكَّةُ؛ وأضافَ القُوَّةَ والإخْراجَ إلَيْها، والمُرادُ أهْلُها، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿أهْلَكْناهُمْ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. والثّانِي: أنَّهُ المُؤْمِنُ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَفِي "البَيِّنَةِ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: الدِّينُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
﴿كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ يَعْنِي عِبادَةَ الأوْثانِ، وهو الكافِرُ ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ بِعِبادَتِها.