زاد المسير — ابن الجوزي
وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا۟ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِى تَقُولُ ۖ وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ۖ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا ﴿٨١﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ طاعَةٌ﴾ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، كانُوا يُؤْمِنُونَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَأْمَنُوا، فَإذا خَرَجُوا، خالَفُوا، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ الفَرّاءُ: والرَّفْعُ في "طاعَةٌ" عَلى مَعْنى: أمْرُكَ طاعَةٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ: بَيَّتْ، بِسُكُونِ "التّاءِ"، وإدْغامِها في "الطّاءِ" ونَصَبَ الباقُونَ "التّاءَ" قالَ أبُو عَلِيٍّ: التّاءُ والطّاءُ والدّالُ مِن حَيِّزٍ واحِدٍ، فَحَسُنَ الإدْغامُ، ومِن بَيْنِ، فَلِانْفِصالِ الحَرْفَيْنِ، واخْتِلافِ المَخْرَجَيْنِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَعْنى: ﴿ [فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ ﴾، أيْ: خَرَجُوا، ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ ﴾، أيْ] قالُوا: وقَدَّرُوا لَيْلًا غَيْرَ ما أعْطَوْكَ نَهارًا. قالَ الشّاعِرُ:
؎ أتَوْنِي فَلَمْ أرْضَ ما بَيَّنُوا وكانُوا أتَوْنِي بِشَيْءٍ نُكُرٍ
(p-١٤٣)والعَرَبُ تَقُولُ: هَذا أمْرٌ قَدْ قُدِّرَ بِلَيْلٍ [وَفُرِغَ مِنهُ بِلَيْلٍ، ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ:
؎ أجْمِعُوا أمْرَهم عِشاءً فَلَمّا ∗∗∗ أصْبَحُوا أصْبَحَتْ لَهم ضَوْضاءُ]
وَقالَ بَعْضُهُمْ: بَيَّتَ، بِمَعْنى: بَدَّلَ، وأنْشَدَ:
؎ وبَيَّتَ قَوْلِي عِنْدَ المَلِيكِ ∗∗∗ قاتَلَكَ اللَّهُ عَبْدًا كَفُورًا
وَفِي قَوْلِهِ ﴿غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: غَيْرُ الَّذِي تَقُولُ الطّائِفَةُ عِنْدَكَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ قُتَيْبَةَ. والثّانِي: غَيْرُ الَّذِي تَقُولُ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، وهو قَوْلُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: يَكْتُبُهُ في الأعْمالِ الَّتِي تُثْبِتُها المَلائِكَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ في آَخَرِينَ. والثّانِي: يُنْزِلُهُ إلَيْكَ في كِتابِهِ. والثّالِثُ: يَحْفَظُهُ عَلَيْهِمْ لِيُجازَوْا بِهِ، ذَكَرَ القَوْلَيْنِ الزَّجّاجُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَأعْرِضْ عَنْهُمْ: فَلا تُعاقِبْهم، وثِقْ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وكَفى بِاللَّهِ ثِقَةً لَكَ. قالَ: ثُمَّ نُسِخَ هَذا الإعْراضُ، وأُمِرَ بِقِتالِهِمْ.
فَإنْ قِيلَ: ما الحِكْمَةُ في أنَّهُ ابْتَدَأ بِذِكْرِهِمْ جُمْلَةً، ثُمَّ قالَ: ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ﴾ والكُلُّ مُنافِقُونَ؟ فالجَوابُ: مِن وجْهَيْنِ، ذَكَرَهُما أهْلُ التَّفْسِيرِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ أخْبَرَ عَمَّنْ سَهِرَ لَيْلَهُ، ودَبَّرَ أمْرَهُ مِنهم دُونَ غَيْرِهِ مِنهم. والثّانِي: أنَّهُ ذَكَرَ مَن عَلِمَ أنَّهُ يَبْقى عَلى نِفاقِهِ دُونَ مَن عَلِمَ أنَّهُ يَرْجِعُ.