×
النساءالآية ٦٥

زاد المسير — ابن الجوزي

فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا ﴿٦٥﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في «خُصُومَةٍ كانَتْ بَيْنَ الزُّبَيْرِ وبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ في شِراجِ الحُرَّةِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلزُّبَيْرِ: "اسْقِ ثُمَّ أرْسَلْ إلى جارِكَ" فَغَضِبَ الأنْصارِيُّ، قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنْ كانَ ابْنُ عَمَّتِكَ! فَتَلُوَّنَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قالَ لِلزُّبَيْرِ: "اسْقِ يا زُبَيْرُ، ثُمَّ احْبِسِ الماءَ حَتّى يَبْلُغَ الجُدُرَ" قالَ الزُّبَيْرُ: فَواللَّهِ ما أحْسَبُ هَذِهِ الآَيَةَ نَزَلَتْ إلّا في ذَلِكَ.» أخْرَجَهُ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ. (p-١٢٤)والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِ، واليَهُودِيِّ اللَّذَيْنِ تَحاكَما إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، وقَدْ سَبَقَتْ قِصَّتُهُما، قالَهُ مُجاهِدٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: لا يَكُونُونَ مُؤْمِنِينَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ، وقِيلَ: "لا" رَدَّ لِزَعْمِهِمْ أنَّهم مُؤْمِنُونَ، والمَعْنى: فَلا، أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما يَزْعُمُونَ أنَّهم آَمَنُوا، وهم يُخالِفُونَ حُكْمَكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ، فَقالَ: ورَبِّكَ لا يُؤَمِّنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم، أيْ: فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ. وَفِي "الحَرَجِ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ الشَّكُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ في آَخَرِينَ. والثّانِي: الضَّيِّقُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ. وفي قَوْلِهِ ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: يُسَلِّمُوا لِما أمَرْتَهم بِهِ، فَلا يُعارِضُونَكَ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والزَّجّاجِ، والجُمْهُورِ. والثّانِي: يُسَلِّمُوا ما تَنازَعُوا فِيهِ لِحُكْمِكَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.