زاد المسير — ابن الجوزي
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ءَامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِى نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِن قَبْلُ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلًۢا بَعِيدًا ﴿١٣٦﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وأسَدًا، وأُسِيدَ ابْنَيْ كَعْبٍ، وثَعْلَبَةَ بْنَ قَيْسٍ، وسَلامًا، وسَلَمَةَ، ويامِينَ. وهَؤُلاءِ مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، (p-٢٢٤)فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ نُؤْمِنُ بِكَ، وبِكِتابِكَ، وبِمُوسى، والتَّوْراةِ، وعُزَيْرٍ، ونَكْفُرُ بِما سِوى ذَلِكَ مِنَ الكُتُبِ والرُّسُلِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ اليَهُودِ كَلامٌ لَمّا أسْلَمُوا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، هَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ.
وَفِي المُشارِ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُمُ المُسْلِمُونَ، قالَهُ الحَسَنُ، فَيَكُونُ المَعْنى: يا أيُّها الَّذِينَ آَمَنُوا بِمُحَمَّدٍ والقُرْآَنِ، اثْبُتُوا عَلى إيمانِكم.
والثّانِي: اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ الضَّحّاكُ، فَيَكُونُ المَعْنى: يا أيُّها الَّذِينَ آَمَنُوا بِمُوسى، والتَّوْراةِ، وبِعِيسى، والإنْجِيلِ: آَمِنُوا بِمُحَمَّدٍ والقُرْآَنِ.
والثّالِثُ: المُنافِقُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، فَيَكُونُ المَعْنى: يا أيُّها الَّذِينَ آَمَنُوا في الظّاهِرِ بِألْسِنَتِهِمْ، آَمِنُوا بِقُلُوبِكم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "نَزَلَ" عَلى رَسُولِهِ، والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ، مَضْمُومَتَيْنِ.
وَقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: نَزَلَ عَلى رَسُولِهِ، والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مَفْتُوحَتَيْنِ. والمُرادُ بِالكِتابِ: الَّذِي نَزَلَ عَلى رَسُولِهِ القُرْآَنُ، والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ: كُلُّ كِتابٍ أُنْزَلَ قَبْلَ القُرْآَنِ، فَيَكُونُ "الكِتابُ" هاهُنا: اسْمُ جِنْسٍ.