زاد المسير — ابن الجوزي
لَّا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَىٰهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَـٰحٍۭ بَيْنَ ٱلنَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴿١١٤﴾
(p-١٩٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم قَوْمُ طُعْمَةَ، وقالَ مُقاتِلٌ: وكُلُّهم يَهُودٌ تَناجَوْا في أمَرِّ طُعْمَةَ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو عامٌّ في نَجْوى جَمِيعِ النّاسِ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى النَّجْوى: ما تَنْفَرِدُ بِهِ الجَماعَةُ أوِ الِاثْنانِ، سِرًّا كانَ أوْ ظاهِرًا. ومَعْنى "نَجَوْتُ الشَّيْءَ" في اللُّغَةِ: خَلَّصْتُهُ وألْقَيْتُهُ، يُقالُ: نَجَوْتُ الجِلْدَ: إذا ألْقَيْتُهُ عَنِ البَعِيرِ وغَيْرِهِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ فَقُلْتُ انْجُوا عَنْها نَجا الجِلْدِ إنَّهُ سَيُرْضِيكُما مِنها سَنامٌ وغارِبُهْ
وَقَدْ نَجَوْتُ فُلانًا: إذا اسْتَنْكَهْتَهُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ نَجَوْتُ مُجالِدًا فَوَجَدَتُ مِنهُ ∗∗∗ كَرِيحِ الكَلْبِ ماتَ قَدِيمَ عَهْدٍ
(p-١٩٩)وَأصْلُهُ كُلُّهُ مِنَ النَّجْوَةِ، وهو ما ارْتَفَعَ مِنَ الأرْضِ، قالَ الشّاعِرُ، يَصِفُ سَيْلًا:
؎ فَمَن بِنَجْوَتِهِ كَمَن بِعَقْوَتِهِ ∗∗∗ والمَسَّتَكِنُّ كَمَن يَمْشِي بِقِرْواحِ
والمُرادُ بِنَجْواهُمْ: ما يُدَبِّرُونَهُ بَيْنَهم مِنَ الكَلامِ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿إلا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: إلّا في نَجْوى مِن أمْرٍ بِصَدَقَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، فَيَكُونُ بِمَعْنى: لَكِنَّ مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ، فَفي نَجْواهم خَيْرٌ. وأمّا قَوْلُهُ: (أمَرَ بِصَدَقَةٍ) فالمَعْنى: حَثَّ عَلَيْها.
وَأُمًّا المَعْرُوفُ، فَفِيهِ قَوْلانِ. (p-٢٠٠)أحَدُهُما: أنَّهُ الفَرْضُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٍ. والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ أفْعالِ البِرِّ، وهو اخْتِيارُ القاضِي أبِي يَعْلى، وأبِي سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيِّ.