زاد المسير — ابن الجوزي
وَلَا ٱلظِّلُّ وَلَا ٱلْحَرُورُ ﴿٢١﴾
(p-٤٨٢)﴿يا أيُّها النّاسُ أنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللَّهِ﴾ أيِ: المُحْتاجُونَ إلَيْهِ ﴿واللَّهُ هو الغَنِيُّ﴾ عَنْ عِبادَتِكم ﴿الحَمِيدُ﴾ عِنْدَ خَلْقِهِ بِإحْسانِهِ إلَيْهِمْ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ (p-٤٨٣)بَيانُهُ [إبْراهِيمَ: ١٩، الأنْعامِ: ١٦٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ أيْ: نَفْسٌ مُثْقَلَةٌ بِالذُّنُوبِ ﴿إلى حِمْلِها﴾ الَّذِي حَمَلَتْ مِنَ الخَطايا ﴿لا يُحْمَلْ مِنهُ شَيْءٌ ولَوْ كانَ﴾ الَّذِي تَدْعُوهُ ﴿ذا قُرْبى﴾ ذا قَرابَةٍ ﴿إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ أيْ: يَخْشَوْنَهُ ولَمْ يَرَوْهُ؛ والمَعْنى: إنَّما تَنْفَعُ بِإنْذارِكَ أهْلَ الخَشْيَةِ، فَكَأنَّكَ تُنْذِرُهم دُونَ غَيْرِهِمْ لِمَكانِ اخْتِصاصِهِمْ بِالِانْتِفاعِ، ﴿وَمَن تَزَكّى﴾ أيْ: تَطَهَّرَ مِنَ الشَّرَكِ والفَواحِشِ، وفَعَلَ الخَيْرَ ﴿فَإنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ﴾ أيْ: فَصَلاحُهُ لِنَفْسِهِ ﴿وَإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ فَيَجْزِي بِالأعْمالِ.
﴿وَما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنَ والمُشْرِكَ ﴿وَلا الظُّلُماتُ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ والضَّلالاتِ ﴿وَلا النُّورُ﴾ الهُدى والإيمانُ، ﴿وَلا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: ظِلُّ اللَّيْلِ وسَمُومُ النَّهارِ، قالَهُ عَطاءٌ.
والثّانِي: الظِّلُّ: الجَنَّةُ، والحَرُورُ: النّارُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. قالَ الفَرّاءُ: الحَرُورُ بِمَنزِلَةِ السَّمُومِ، وهي الرِّياحُ الحارَّةُ. والحَرُورُ تَكُونُ بِالنَّهارِ وبِاللَّيْلِ، والسَّمُومُ لا تَكُونُ إلّا بِالنَّهارِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الحَرُورُ تَكُونُ بِالنَّهارِ مَعَ الشَّمْسِ، وكانَ رُؤْبَةُ يَقُولُ: الحَرُورُ بِاللَّيْلِ، والسَّمُومُ بِالنَّهارِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ الأحْياءَ: المُؤْمِنُونَ، والأمْواتَ: الكُفّارُ.
والثّانِي: أنَّ الأحْياءَ: العُقَلاءُ، والأمْواتَ: الجُهّالُ. (p-٤٨٤)وَفِي " لا " المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ. والثّانِي: أنَّها نافِيَةٌ لِاسْتِواءِ أحَدِ المَذْكُورَيْنِ مَعَ الآخَرِ.
قالَ قَتادَةُ: هَذِهِ أمْثالٌ ضَرَبَها اللَّهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، يَقُولُ: كَما لا تَسْتَوِي هَذِهِ الأشْياءُ، كَذَلِكَ لا يَسْتَوِي الكافِرُ والمُؤْمِنُ.
﴿إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ﴾ أيْ: يُفْهِمُ مَن يُرِيدُ إفْهامَهُ ﴿وَما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ: " بِمُسْمِعِ مَن " عَلى الإضافَةِ؛ يَعْنِي الكَفّارَ، شَبَّهَهم بِالمَوْتى، ﴿إنْ أنْتَ إلا نَذِيرٌ﴾ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: نُسِخَ مَعْناها بِآيَةِ السَّيْفِ.
(p-٤٨٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ أيْ: ما مِن أُمَّةٍ إلّا قَدْ جاءَها رَسُولٌ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [آلِ عِمْرانَ: ١٨٤، الحَجِّ: ٤٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ أثْبَتَ فِيها الياءَ في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ، ووافَقَهُ في الوَصْلِ ورْشٌ.