×
فاطرالآية ٢

زاد المسير — ابن الجوزي

مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُۥ مِنۢ بَعْدِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴿٢﴾

(p-٤٧٢)سُورَةُ فاطِرٍ وَتُسَمّى سُورَةَ المَلائِكَةِ، وهي مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: خالِقُهُما مُبْتَدِئًا عَلى غَيْرِ مِثالٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما كُنْتُ أدْرِي ما فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ حَتّى اخْتَصَمَ أعْرابِيّانِ في بِئْرٍ، فَقالَ أحَدُهُما: أنا فَطَرْتُها، أيِ: ابْتَدَأتُها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ﴾ ورَوى الحَلَبِيُّ والقَزّازُ عَنْ عَبْدِ الوارِثِ: (p-٤٧٣)" جاعِلٌ " بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ " المَلائِكَةَ " بِالنَّصْبِ ﴿رُسُلا﴾ يُرْسِلُهم إلى الأنْبِياءِ وإلى ما يَشاءُ مِنَ الأُمُورِ ﴿أُولِي أجْنِحَةٍ﴾ أيْ: أصْحابَ أجْنِحَةٍ ﴿مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ فَبَعْضُهم لَهُ جَناحانِ، وبَعْضُهم [لَهُ] ثَلاثَةٌ، وبَعْضُهم لَهُ أرْبَعَةٌ. و ﴿يَزِيدُ في الخَلْقِ ما يَشاءُ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ زادَ في خَلْقِ المَلائِكَةِ الأجْنِحَةَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: يَزِيدُ في الأجْنِحَةِ ما يَشاءُ، رَواهُ عَبّادُ بْنُ مَنصُورٍ عَنِ الحَسَنِ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: أنَّهُ الخُلُقُ الحَسَنُ، رَواهُ عَوْفٌ عَنِ الحَسَنِ. والرّابِعُ: أنَّهُ حُسْنُ الصَّوْتِ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ. والخامِسُ: المَلاحَةُ في العَيْنَيْنِ، قالَهُ قَتادَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ﴾ أيْ: مِن خَيْرٍ ورِزْقٍ. وقِيلَ: أرادَ بِها المَطَرَ ﴿فَلا مُمْسِكَ لَها﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " فَلا مُمْسِكَ لَهُ " . وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ، إذْ لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ إمْساكَ ما فَتَحَ وفَتْحَ ما أمْسَكَ.