زاد المسير — ابن الجوزي
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ ۚ إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ ﴿٢٢﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ الوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ قالَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ: أنا أحَدُّ مِنكَ سِنانًا، وأبْسَطُ مِنكَ لِسانًا، وأمْلَأُ لِلْكَتِيبَةِ مِنكَ، فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ: اسْكُتْ فَإنَّما أنْتَ فاسِقٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَعَنى بِالمُؤْمِنِ عَلِيًّا، وبِالفاسِقِ الوَلِيدَ، (p-٣٤١)رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي لَيْلى، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وأبِي جَهْلٍ، قالَهُ شَرِيكٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْتَوُونَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: لا يَسْتَوِي المُؤْمِنُونَ والكافِرُونَ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِاثْنَيْنِ، لِأنَّ مَعْنى الِاثْنَيْنِ جَماعَةٌ؛ وقَدْ شَهِدَ اللَّهُ بِهَذا الكَلامِ لِعَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالإيمانِ وأنَّهُ في الجَنَّةِ، لِقَوْلِهِ: ﴿أمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى﴾ . وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: " جَنَّةُ المَأْوى " عَلى التَّوْحِيدِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُزُلا﴾ وقَرَأ الحَسَنُ، والنَّخَعِيُّ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " نُزْلًا " بِتَسْكِينِ الزّايِ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الحَجِّ: ٢٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى﴾ وفِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ ما أصابَهم يَوْمَ بَدْرٍ، رَواهُ مَسْرُوقٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: سُنُونَ أُخِذُوا بِها، رَواهُ أبُو عُبَيْدَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وبِهِ قالَ النَّخَعِيُّ. وقالَ مُقاتِلٌ: أُخِذُوا بِالجُوعِ سَبْعَ سِنِينَ.
والثّالِثُ: مَصائِبُ الدُّنْيا، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ ابْنِ أبِي طَلْحَةَ، وأبُو العالِيَةِ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.
والرّابِعُ: الحُدُودُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والخامِسُ: عَذابُ القَبْرِ، قالَهُ البَراءُ.
والسّادِسُ: القَتْلُ والجُوعُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
(p-٣٤٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ﴾ أيْ: قَبْلَ العَذابِ الأكْبَرِ؛ وفِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ عَذابُ يَوْمِ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ. والثّانِي: أنَّهُ القَتْلُ بِبَدْرٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ قالَ أبُو العالِيَةِ: لَعَلَّهم يَتُوبُونَ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَعَلَّ مَن بَقِيَ مِنهم يَتُوبُ. وقالَ مُقاتِلٌ: لِكَيْ يَرْجِعُوا عَنِ الكُفْرِ إلى الإيمانِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أظْلَمُ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في (الكَهْفِ: ٥٧) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ قالَ زَيْدُ بْنُ رَفِيعٍ: هم أصْحابُ القَدَرِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هم كُفّارُ مَكَّةَ انْتَقَمَ اللَّهُ مِنهم بِالقَتْلِ بِبَدْرٍ، وضَرَبَتِ المَلائِكَةُ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ، وعَجَّلَ أرْواحَهم إلى النّارِ.