×
لقمانالآية ١٨

زاد المسير — ابن الجوزي

وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِى ٱلْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴿١٨﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ: " تُصَعِّرْ " بِتَشْدِيدِ العَيْنِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ نافِعٌ، [وَأبُو عَمْرٍو]، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِألِفٍ مِن غَيْرِ تَشْدِيدٍ. قالَ الفَرّاءُ: هُما لُغَتانِ، ومَعْناهُما: الإعْراضُ مِنَ الكِبْرِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " ولا تُصْعِرْ " بِإسْكانِ الصّادِ وتَخْفِيفِ العَيْنِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: لا تُعْرِضْ عَنِ النّاسِ تَكَبُّرًا؛ يُقالُ: أصابَ البَعِيرَ صَعَرٌ: إذا أصابَهُ داءٌ يَلْوِي مِنهُ عُنُقَهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الَّذِي إذا سُلِّمَ عَلَيْهِ لَوى عُنُقَهُ كالمُسْتَكْبِرِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: لِيَكُنِ الغَنِيُّ والفَقِيرُ عِنْدَكَ في العِلْمِ سَواءً. وقالَ مُجاهِدٌ: هو الرَّجُلُ يَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَ أخِيهِ الحِنَةُ، فَيَراهُ فَيُعْرِضُ عَنْهُ. وباقِي الآيَةِ بَعْضُهُ مُفَسَّرٌ في (بَنِي إسْرائِيلَ: ٣٧ ) وبَعْضُهُ في سُورَةِ (النِّساءِ: ٣٦) . (p-٣٢٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واقْصِدْ في مَشْيِكَ﴾ أيْ: لِيَكُنْ مَشْيُكَ قَصْدًا، لا تَخَيُّلًا ولا إسْراعًا. قالَ عَطاءٌ: امْشِ بِالوَقارِ والسَّكِينَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ أيِ: انْقُصْ مِنهُ. قالَ الزَّجّاجُ: ومِنهُ قَوْلُهم غَضَضْتُ بَصَرِي، وفُلانٌ يَغُضُّ مِن فُلانٍ، أيْ: يُقَصِّرُ بِهِ. ﴿إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ﴾ وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " أنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. ومَعْنى " أنْكَرَ ": أقْبَحُ؛ تَقُولُ: أتانا فُلانٌ بِوَجْهٍ مُنْكَرٍ، أيْ: قَبِيحٍ. وقالَ المُبَرِّدُ: تَأْوِيلُهُ: أنَّ الجَهْرَ بِالصَّوْتِ لَيْسَ بِمَحْمُودٍ، وأنَّهُ داخِلٌ في بابِ الصَّوْتِ المُنْكَرِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: عَرَّفَهُ قُبْحَ رَفْعِ الأصْواتِ في المُخاطَبَةِ والمُلاحاةِ بِقُبْحِ أصْواتِ الحَمِيرِ، لِأنَّها عالِيَةٌ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَوْ كانَ رَفْعُ الصَّوْتِ خَيْرًا، ما جَعَلَهُ اللَّهُ لِلْحَمِيرِ. وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: صِياحُ كُلِّ شَيْءٍ تَسْبِيحٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، إلّا الحِمارَ، فَإنَّهُ يَنْهَقُ بِلا فائِدَةٍ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: ﴿لَصَوْتُ﴾ ولَمْ يَقُلْ: " لَأصْواتُ الحَمِيرِ " ؟ فالجَوابُ: أنَّ لِكُلِّ جِنْسٍ صَوْتًا، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّ أنْكَرَ أصْواتِ الأجْناسِ صَوْتُ هَذا الجِنْسِ.