زاد المسير — ابن الجوزي
يَـٰبُنَىَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِى صَخْرَةٍ أَوْ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ أَوْ فِى ٱلْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ﴿١٦﴾
(p-٣١٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وقَدْ شَرَحْنا ذَلِكَ في (العَنْكَبُوتِ: ٨)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْنًا عَلى وهْنٍ﴾ وقَرَأ الضَّحّاكُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " وهَنًا عَلى وهَنٍ " بِفَتْحِ الهاءِ فِيهِما. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: ضَعْفًا عَلى ضَعْفٍ. والمَعْنى: لَزِمَها بِحَمْلِها إيّاهُ أنْ تَضْعُفَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. ومَوْضِعُ " أنْ " نَصْبٌّ بِـ " وصَّيْنا "؛ المَعْنى: ووَصَّيْنا الإنْسانَ أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ، أيْ: وصَّيْناهُ بِشُكْرِنا وشُكْرِ والِدَيْهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفِصالُهُ في عامَيْنِ﴾ أيْ: فِطامُهُ يَقَعُ في انْقِضاءِ عامَيْنِ. وقَرَأ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، وأبُو عِمْرانَ، والأعْمَشُ: " وفَصالُهُ " بِفَتْحِ الفاءِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وقَتادَةُ؛ " وفَصْلُهُ " بِفَتْحِ الفاءِ وسُكُونِ الصّادِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. والمُرادُ: التَّنْبِيهُ عَلى مَشَقَّةِ الوالِدَةِ بِالرَّضاعِ بَعْدَ الحَمْلِ.
(p-٣٢٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ جاهَداكَ﴾ قَدْ فَسَّرْنا ذَلِكَ في سُورَةِ (العَنْكَبُوتِ: ٨) إلى قَوْلِهِ: ﴿وَصاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: مُصاحَبًا مَعْرُوفًا، تَقُولُ صاحَبَهُ مُصاحَبًا ومُصاحَبَةً؛ والمَعْرُوفَ: ما يُسْتَحْسَنُ مِنَ الأفْعالِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّبِعْ سَبِيلَ مَن أنابَ إلَيَّ﴾ أيْ: مَن رَجَعَ إلَيَّ؛ وأهْلُ التَّفْسِيرِ يَقُولُونَ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في سَعْدٍ، وهو المُخاطَبُ بِها.
وَفِي المُرادِ بِمَن أنابَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، قِيلَ لِسَعْدٍ: اتَّبِعْ سَبِيلَهُ في الإيمانِ، هَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: أسْلَمَ عَلى يَدَيْ أبِي بَكْرٍ [الصِّدِّيقِ]: عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وطَلْحَةُ، والزُّبَيْرُ، وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ.
والثّانِي: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّالِثُ: مَن سَلَكَ طَرِيقَ مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
ثُمَّ رَجَعَ إلى الخَبَرِ عَنْ لُقْمانَ فَقالَ: ﴿يا بُنَيَّ﴾ . وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وجْهُ اعْتِراضِ هَذِهِ الآياتِ بَيْنَ الخَبَرَيْنِ عَنْ وصِيَّةِ لُقْمانَ أنَّ هَذا مِمّا أوْصى بِهِ لُقْمانُ ابْنَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ﴾ وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: " مِثْقالُ حَبَّةٍ " بِرَفْعِ اللّامِ.
(p-٣٢١)وَفِي سَبَبِ قَوْلِ لُقْمانَ لِابْنِهِ هَذا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ ابْنَ لُقْمانَ قالَ لِأبِيهِ: أرَأيْتَ لَوْ كانَتْ حَبَّةٌ في قَعْرِ البَحْرِ أكانَ اللَّهُ يَعْلَمُها؟ فَأجابَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّانِي: أنَّهُ قالَ: يا أبَتِ إنْ عَمِلْتُ الخَطِيئَةَ حَيْثُ لا يَرانِي أحَدٌ، كَيْفَ يَعْلَمُها اللَّهُ؟ فَأجابَهُ بِهَذا، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ بِرَفْعِ المِثْقالِ مَعَ تَأْنِيثِ " تَكُ " فَلِأنَّ ﴿مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ راجِعٌ إلى مَعْنى: خَرْدَلَةٍ، فَهي بِمَنزِلَةِ: إنْ تَكُ حَبَّةٌ مِن خَرْدَلٍ؛ ومَن قَرَأ: " مِثْقالَ حَبَّةٍ " فَعَلى مَعْنى: إنَّ الَّتِي سَألَتْنِي عَنْها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ، وعَلى مَعْنى: إنَّ فَعْلَةَ الإنْسانِ وإنْ صَغُرَتْ يَأْتِ بِها اللَّهُ. وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى ﴿مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ في (الأنْبِياءِ: ٤٧) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ﴾ قالَ قَتادَةُ: في جَبَلٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: هي الصَّخْرَةُ الَّتِي تَحْتَ الأرْضِ السّابِعَةِ، لَيْسَتْ في السَّمَواتِ ولا في الأرْضِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿يَأْتِ بِها اللَّهُ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: يَعْلَمُها اللَّهُ، قالَهُ أبُو مالِكٍ. والثّانِي: يُظْهِرُها، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. والثّالِثُ: يَأْتِ بِها اللَّهُ في الآخِرَةِ لِلْجَزاءِ عَلَيْها.
(p-٣٢٢)﴿إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لَطِيفٌ بِاسْتِخْراجِها ﴿خَبِيرٌ﴾ بِمَكانِها. وهَذا مَثَلٌ لِأعْمالِ العِبادِ، والمُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْتِي بِأعْمالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، مَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ﴾ أيْ: في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ مِنَ الأذى. وباقِي الآيَةِ مُفَسَّرٌ في (آلِ عِمْرانَ: ١٨٦) .