زاد المسير — ابن الجوزي
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُوا۟ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ ﴿٩٠﴾
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ (p-٤١٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن لَمْ يَتُبْ مِن أصْحابِ الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، فَإنَّهم قالُوا: نُقِيمُ بِمَكَّةَ ونَتَرَبَّصُ بِمُحَمَّدٍ رَيْبَ المَنُونِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ كَفَرُوا بِعِيسى والإنْجِيلِ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ والقُرْآَنِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ. والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى، كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ بَعْدَ إيمانِهِمْ بِصِفَتِهِ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِإقامَتِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. قالَ الحَسَنُ: كُلَّما نَزَلَتْ آَيَةٌ كَفَرُوا بِها، فازْدادُوا كُفْرًا. وفي عِلَّةِ امْتِناعِ قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُمُ ارْتَدُّوا، وعَزَمُوا عَلى إظْهارِ التَّوْبَةِ لِسَتْرِ أحْوالِهِمْ، والكَفْرُ في ضَمائِرِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهم قَوْمٌ تابُوا مِنَ الذُّنُوبِ في الشِّرْكِ، ولَمْ يَتُوبُوا مِنَ الشِّرْكِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. والثّالِثُ: أنَّ: مَعْناهُ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم حِينَ يَحْضُرُهُمُ المَوْتُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ، والسُّدِّيِّ. والرّابِعُ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم بَعْدَ المَوْتِ إذا ماتُوا عَلى الكُفْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.