زاد المسير — ابن الجوزي
وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ هُوَ خَيْرًا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا۟ بِهِۦ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴿١٨٠﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في الَّذِينَ يَبْخَلُونَ أنْ يُؤَدُّوا زَكاةَ أمْوالِهِمْ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي هُرَيْرَةَ، وابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ، والشَّعْبِيِّ، ومُجاهِدٍ وفي رِوايَةِ السُّدِّيِّ في آَخَرِينَ.
والثّانِي: أنَّها في الأحْبارِ الَّذِينَ كَتَمُوا صِفَةَ النَّبِيِّ ﷺ، ونُبُوَّتَهُ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُجاهِدٍ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ.
قالَ الفَرّاءُ: ومَعْنى الكَلامِ: لا يَحْسَبَنَّ الباخِلُونَ البُخْلَ هو خَيْرًا لَهم، فاكْتَفى بِذِكْرِ "يَبْخَلُونَ" مِنَ البُخْلِ، كَما تَقُولُ: قَدِمَ فُلانٌ، فَسُرِرْتُ بِهِ، أيْ: سُرِرْتُ بِقُدُومِهِ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎ إذا نُهِيَ السَّفِيهُ جَرى إلَيْهِ وخالَفَ والسَّفِيهُ إلى خِلافٍ
يُرِيدُ: جَرى إلى السَّفَهِ. والَّذِي آَتاهُمُ اللَّهُ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: البُخْلُ بِالزَّكاةِ: هو المالُ، وعَلى قَوْلِ مَن قالَ: البُخْلُ بِذِكْرِ صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ هو العِلْمُ.
(p-٥١٣)قَوْلُهُ تَعالى: (هُوَ) إشارَةٌ إلى البُخْلِ ولَيْسَ مَذْكُورًا، ولَكِنَّهُ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِـ"يَبْخَلُونَ" وفي مَعْنى تَطْوِيقُهم بِهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ يُجْعَلُ كالحَيَّةِ يُطَوِّقُ بِها الإنْسانَ، رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "ما مِن رَجُلٍ لا يُؤَدِّي زَكاةَ مالِهِ إلّا مَثَلَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ شُجاعٌ أقْرَعُ يَفِرُّ مِنهُ، وهو يَتْبَعُهُ حَتّى يُطَوِّقَ في عُنُقِهِ" ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿ (سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ)" .﴾» وهَذا مَذْهَبُ ابْنِ مَسْعُودٍ، ومُقاتِلٍ.
والثّانِي: أنَّهُ يُجْعَلُ طَوْقًا مِن نارٍ، رَواهُ مَنصُورٌ عَنْ مُجاهِدٍ، وإبْراهِيمَ.
والثّالِثُ: أنَّ مَعْنى تَطْوِيقِهِمْ بِهِ: تَكْلِيفُهم أنْ يَأْتُوا بِهِ، رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجاهِدٍ.
والرّابِعُ: أنَّ مَعْناهُ: يَلْزَمُ أعْناقَهم إثْمُهُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَمُوتُ أهْلُ السَّماواتِ وأهْلُ الأرْضِ، ويُبْقى رَبُّ العالَمِينَ. قالَ الزَّجّاجُ: خُوطِبَ القَوْمُ بِما يَعْقِلُونَ، لِأنَّهم يَجْعَلُونَ ما رَجَعَ إلى الإنْسانِ مِيراثًا إذا كانَ مِلْكًا لَهُ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْنى المِيراثِ: (p-٥١٤)انْفِرادُ الرَّجُلِ بِما كانَ لا يَنْفَرِدُ بِهِ، فَلَمّا ماتَ الخَلْقُ، وانْفَرَدَ عَزَّ وجَلَّ، صارَ ذَلِكَ لَهُ وِراثَةً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "يَعْمَلُونَ" بِالياءِ إتْباعًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ وقَرَأ الباقُونَ بِالتّاءِ، لِأنَّ قَبْلَهُ ﴿وَإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا﴾