زاد المسير — ابن الجوزي
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِى ٱلصَّـٰلِحِينَ ﴿٩﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو مِجْلَزٍ: وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " إحْسانًا " بِألِفٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَجاءٍ: " حَسَنًا " بِفَتْحِ الحاءِ والسِّينِ.
(p-٢٥٧)رَوى أبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، قالَ: فِيَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،كُنْتُ رَجُلًا بَرًّا بِأُمِّي، فَلَمّا أسْلَمْتُ قالَتْ: يا سَعْدُ! ما هَذا الدِّينُ الَّذِي قَدْ أحْدَثْتَ، لَتَدَعَنَّ دِينَكَ هَذا أوْلا آكُلُ ولا أشْرَبُ حَتّى أمُوتَ فَتُعَيَّرَ بِي فَيُقالَ: يا قاتِلَ أُمِّهِ، قُلْتُ: لا تَفْعَلِي يا أُمّاهُ، إنِّي لا أدَعُ دِينِي هَذا لِشَيْءٍ، قالَ: فَمَكَثَتْ يَوْمًا ولَيْلَةً لا تَأْكُلُ، فَأصْبَحَتْ قَدْ جُهِدَتْ، ثُمَّ مَكَثَتْ يَوْمًا آخَرَ ولَيْلَةً لا تَأْكُلُ، فَلَمّا رَأيْتُ ذَلِكَ قُلْتُ: تَعْلَمِينَ واللَّهِ يا أُمّاهُ لَوْ كانَتْ لَكِ مِائَةُ نَفْسٍ فَخَرَجَتْ نَفْسًا نَفْسًا ما تَرَكْتُ دِينِي هَذا لِشَيْءٍ، فَكُلِي، وإنْ شِئْتِ لا تَأْكُلِي، فَلَمّا رَأتْ ذَلِكَ أكَلَتْ، فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، وقَدْ جَرى لَهُ مَعَ أُمِّهِ نَحْوُ هَذا. وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ، والَّتِي في (لُقْمانَ): ١٥ وفي (الأحْقافِ): ١٥ نَزَلْنَ في قِصَّةِ سَعْدٍ.
(p-٢٥٨)قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: " حُسْنًا " فَمَعْناهُ: ووَصَّيْنا الإنْسانَ أنْ يَفْعَلَ بِوالِدَيْهِ ما يَحْسُنُ، ومَن قَرَأ: " إحْسانًا " فَمَعْناهُ: ووَصَّيْنا الإنْسانَ أنْ يُحْسِنَ إلى والِدَيْهِ، وكانَ " حُسْنًا " أعَمَّ في البَرِّ.
﴿وَإنْ جاهَداكَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَجازُ هَذا الكَلامِ مَجازُ المُخْتَصَرِ الَّذِي فِيهِ ضَمِيرٌ، والمَعْنى: وقُلْنا لَهُ: وإنْ جاهَداكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتُشْرِكَ بِي﴾ مَعْناهُ: لِتُشْرِكَ بِي شَرِيكًا لا تَعْلَمُهُ لِي ولَيْسَ لِأحَدٍ بِذَلِكَ عِلْمٌ، ﴿فَلا تُطِعْهُما﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنُدْخِلَنَّهم في الصّالِحِينَ﴾ أيْ: في زُمْرَةِ الصّالِحِينَ في الجَنَّةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: " في " بِمَعْنى " مَعَ " .