زاد المسير — ابن الجوزي
فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَىٰهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿٢٤﴾
ثُمَّ عادَ الكَلامُ إلى قِصَّةِ إبْراهِيمَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ أيْ: حِينَ دَعاهم إلى اللَّهِ ونَهاهم عَنِ الأصْنامِ ﴿إلا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ وهَذا بَيانٌ لِسَفَهِ أحْلامِهِمْ حِينَ قابَلُوا احْتِجاجَهُ عَلَيْهِمْ بِهَذا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْجاهُ اللَّهُ﴾ المَعْنى: فَحَرَقُوهُ فَأنْجاهُ اللَّهُ. ﴿مِنَ النّارِ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ يُشِيرُ إلى إنْجائِهِ إبْراهِيمَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ﴾ يَعْنِي إبْراهِيمَ ﴿إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا (p-٢٦٧)مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: " مَوَدَّةُ بَيْنِكم " بِالرَّفْعِ والإضافَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: " مَوَدَّةُ " مَرْفُوعَةٌ بِإضْمارِ " هي "، كَأنَّهُ قالَ: تِلْكَ مَوَدَّةُ بَيْنِكُمْ، أيْ: أُلْفَتُكم واجْتِماعُكم عَلى الأصْنامِ مَوَدَّةُ بَيْنِكُمْ؛ والمَعْنى: إنَّما اتَّخَذْتُمْ هَذِهِ الأوْثانَ لِتَتَوادُّوا بِها في الحَياةِ الدُّنْيا. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ " ما " بِمَعْنى الَّذِي.
وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " مَوَدَّةُ " بِالرَّفْعِ " بَيْنَكم " بِالنَّصْبِ.
وَقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " مَوَدَّةٌ بَيْنَكم " قالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى: اتَّخَذْتُمُ الأصْنامَ لِلْمَوَدَّةِ، و " بَيْنَكم " نَصْبٌ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ المَوَدَّةُ.
وَقَرَأ حَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " مَوَدَّةَ بَيْنِكم " بِنَصْبِ " مَوَدَّةَ " مَعَ الإضافَةِ، وهَذا عَلى الِاتِّساعِ في جَعْلِ الظَّرْفِ اسْمًا لِما أُضِيفَ إلَيْهِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْنى الكَلامِ: إنَّما اتَّخَذْتُمُوها لِتَتَّصِلَ المَوَدَّةُ بَيْنَكم واللِّقاءُ والِاجْتِماعُ عِنْدَها، وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ﴾ أيْ: يَتَبَرَّأُ القادَةُ مِنَ الأتْباعِ ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ يَلْعَنُ الأتْباعُ القادَةَ لِأنَّهم زَيَّنُوا لَهُمُ الكُفْرَ.