زاد المسير — ابن الجوزي
وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ فَتَعْرِفُونَهَا ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿٩٣﴾
(p-١٩٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أُمِرْتُ﴾ المَعْنى: قُلْ لِلْمُشْرِكِينَ: إنَّما أُمِرْتُ ﴿أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: " الَّتِي حَرَّمَها "، وهي مَكَّةُ، وتَحْرِيمُها: تَعْظِيمُ حُرْمَتِها بِالمَنعِ مِنَ القَتْلِ فِيها والسَّبْيِ والكَفِّ عَنْ صَيْدِها وشَجَرِها، ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ لِأنَّهُ خالِقُهُ ومالِكُهُ، ﴿وَأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيْ: مِنَ المُخْلِصِينَ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ، ﴿وَأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾ عَلَيْكم ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ أيْ: فَلَهُ ثَوابُ اهْتِدائِهِ ﴿وَمَن ضَلَّ﴾ أيْ: أخْطَأ [طَرِيقَ] الهُدى ﴿فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ أيْ: لَيْسَ عَلَيَّ إلّا البَلاغُ؛ وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ هَذا مَنسُوخٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ. ﴿وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أيْ: قُلْ لِمَن ضَلَّ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وُفَّقَنا لِقَبُولِ ما امْتَنَعْتُمْ مِنهُ ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ﴾ .
وَمَتى يُرِيهِمْ. فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: في الدُّنْيا. ثُمَّ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ مِنها الدُّخانَ وانْشِقاقَ القَمَرِ، وقَدْ أراهم ذَلِكَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: سَيُرِيكم آَياتِهِ [فَتَعْرِفُونَها] في السَّماءِ، وفي أنْفُسِكم، وفي الرِّزْقِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: القَتْلُ بِبَدْرٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: سَيُرِيكم آَياتِهِ في الآخِرَةِ فَتَعْرِفُونَها عَلى ما قالَ في الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ.
(p-١٩٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " تَعْلَمُونَ " بِالتّاءِ، عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم. وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ، عَلى أنَّهُ وعِيدٌ لَهم بِالجَزاءِ عَلى أعْمالِهِمْ.