زاد المسير — ابن الجوزي
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ٱلْغَـٰفِلَـٰتِ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ لُعِنُوا۟ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿٢٣﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ يَعْنِي: العَفائِفَ ﴿الغافِلاتِ﴾ عَنِ الفَواحِشِ، ﴿لُعِنُوا في الدُّنْيا﴾ أيْ: عُذِّبُوا بِالجَلْدِ وفي الآخِرَةِ بِالنّارِ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في عائِشَةَ خاصَّةً. قالَ خَصِيفٌ: سَألْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقُلْتُ: مَن قَذَفَ مُحْصَنَةً لَعَنَهُ اللَّهُ؟ قالَ: لا، إنَّما أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عائِشَةَ خاصَّةً.
والثّانِي: أنَّها في أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: أنَّها في المُهاجِراتِ. قالَ أبُو حَمْزَةَ الثَّمّالِيُّ: بَلَغَنا أنَّ المَرْأةَ كانَتْ إذا خَرَجَتْ إلى المَدِينَةِ مُهاجِرَةً، قَذَفَها المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، وقالُوا إنَّما خَرَجَتْ تَفْجُرُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
والرّابِعُ: أنَّها عامَّةٌ في أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ وغَيْرِهِنَّ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.
(p-٢٦)فَإنْ قِيلَ: لِمَ اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ المُحْصَناتِ دُونَ الرِّجالِ؟
فالجَوابُ: [أنَّ] مَن رَمى مُؤْمِنَةً فَلا بُدَّ أنْ يَرْمِيَ مَعَها مُؤْمِنًا، فاسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِ المُؤْمِنِينَ، ومِثْلُهُ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [ النَّحْلِ:٨١] أرادَ: والبَرْدَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهُمْ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: " يَشْهَدُ " بِالياءِ؛ وهو إقْرارُها بِما تَكَلَّمُوا بِهِ مِنَ الفِرْيَةِ. قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: وهَؤُلاءِ غَيْرُ الَّذِينَ يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: المَعْنى: أنَّ ألْسِنَةَ بَعْضِهِمْ تَشْهَدُ عَلى بَعْضٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الحَقَّ﴾ أيْ: حِسابَهُمُ العَدْلَ، وقِيلَ: جَزاءَهُمُ الواجِبَ. وقَرَأ مُجاهِدُ، وأبُو الجَوْزاءِ، وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ، والأعْمَشُ: " دِينَهُمُ الحَقُّ " بِرَفْعِ القافِ ﴿وَيَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وذَلِكَ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ كانَ يَشُكُّ في الدِّينِ، فَإذا كانَتِ القِيامَةُ عَلِمَ حَيْثُ لا يَنْفَعُهُ.