زاد المسير — ابن الجوزي
وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَٰتِ ٱلشَّيَـٰطِينِ ﴿٩٧﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إمّا تُرِيَنِّي﴾ وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ والضَّحّاكُ: ( تُرِئَنِّي ) بِالهَمْزِ بَيْنَ الرّاءِ والنُّونِ مِن غَيْرِ ياءٍ والمَعْنى: إنْ أرَيْتَنِي ما يُوعَدُونَ مِنَ القَتْلِ والعَذابِ، فاجْعَلْنِي خارِجًا عَنْهم ولا تُهْلِكْنِي بِهَلاكِهِمْ، فَأراهُ اللَّهُ تَعالى ما وعَدَهم بِبَدْرٍ وغَيْرِها، ونَجّاهُ ومَن مَعَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: (p-٤٨٩)
أحَدُها: ادْفَعْ إساءَةَ المُسِيءِ بِالصَّفْحِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: ادْفَعِ الفُحْشَ بِالسَّلامِ، قالَهُ عَطاءٌ والضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: ادْفَعِ الشِّرْكَ بِالتَّوْحِيدِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والرّابِعُ: ادْفَعِ المُنْكَرَ بِالمَوْعِظَةِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾؛ أيْ: بِما يَقُولُونَ مِنَ الشِّرْكِ والتَّكْذِيبِ، والمَعْنى: إنّا نُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ. ﴿وَقُلْ رَبِّ أعُوذُ﴾؛ أيْ: ألْجَأُ وأمْتَنِعُ، ﴿بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو نَخْسُها وطَعْنُها، ومِنهُ قِيلَ لِلَعائِبِ: هُمَزَةٌ، كَأنَّهُ يَطْعَنُ ويَنْخَسُ إذا عابَ. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الهَمْزُ كالعَصْرِ، يُقالُ: هَمَزْتُ الشَّيْءَ في كَفِّي، ومِنهُ الهَمْزُ في الكَلامِ؛ لِأنَّهُ كَأنَّهُ يَضْغَطُ الحَرْفَ. وقالَ غَيْرُهُ: الهَمْزُ في اللُّغَةِ: الدَّفْعُ، وهَمَزاتُ الشَّياطِينِ: دَفْعُهم بِالإغْواءِ إلى المَعاصِي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يَحْضُرُونِ﴾؛ أيْ: أنْ يَشْهَدُونَ، والمَعْنى: أنْ يُصِيبُونِي بِسُوءٍ؛ لِأنَّ الشَّيْطانَ لا يَحْضُرُ ابْنَ آدَمَ إلّا بِسُوءٍ. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ يَسْألُونَ الرَّجْعَةَ إلى الدُّنْيا عِنْدَ المَوْتِ بِالآيَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ، وقِيلَ: هَذا السُّؤالُ مِنهم لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ يَقْبِضُونَ أرْواحَهم.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: ﴿ارْجِعُونِ﴾ وهو يُرِيدُ: ارْجِعْنِي ؟
فالجَوابُ: أنَّ هَذا اللَّفْظَ تَعْرِفُهُ العَرَبُ لِلْعَظِيمِ الشَّأْنِ، وذَلِكَ أنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ [ فِيهِ ] بِما تُخْبِرُ بِهِ الجَماعَةُ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ [ ق: ٤٣ ]، فَجاءَ خِطابُهُ كَإخْبارِهِ عَنْ نَفْسِهِ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.(p-٤٩٠)